سيد قطب
3463
في ظلال القرآن
ويكذب بها المشركون . وينتهي هذا المشهد الأول للواقعة لنشهد آثارها في الخفض والرفع ، وفي أقدار البشر ومصائرهم الأخيرة : « وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً . فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ . ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ؟ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ . ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ؟ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . . . » ونجد الناس هنا أصنافا ثلاثة - لا صنفين اثنين كما هو السائد في مشاهد الاستعراض القرآنية - ويبدأ بالحديث عن أصحاب الميمنة - أو أصحاب اليمين - ولكنه لا يفصل عنهم الحديث إنما يصفهم باستفهام عنهم للتهويل والتضخيم : « فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ . ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ؟ » . وكذلك يذكر أصحاب المشأمة بنفس الأسلوب . ثم يذكر الفريق الثالث ، فريق السابقين ، يذكرهم فيصفهم بوصفهم : « وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ » . . كأنما ليقول إنهم هم هم . وكفى . فهو مقام لا يزيده الوصف شيئا ! ومن ثم يأخذ في بيان قدرهم عند ربهم ، وتفصيل ما أعده من النعيم لهم ، وتعديد أنواعه التي يمكن أن يدركها حس المخاطبين ، وتتناوله معارفهم وتجاربهم : « أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ . عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ . مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ . يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ . بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ . لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ . وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً . إِلَّا قِيلًا : سَلاماً سَلاماً » . . إنه يبدأ في بيان هذا النعيم ، بالنعيم الأكبر . النعيم الأسنى . نعيم القرب من ربهم : « أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ » . . وجنات النعيم كلها لا تساوي ذلك التقريب ، ولا تعدل ذلك النصيب . ومن ثم يقف عند هذه الدرجة ليقول من هم أصحابها . . إنهم : « ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ » . . فهم عدد محدود . وفريق منتقى . كثرتهم في الأولين وقلتهم في الآخرين . واختلفت الروايات في من هم الأولون ومن هم الآخرون . فالقول الأول : إن الأولين هم السابقون إلى الإيمان ذوو الدرجة العالية فيه من الأمم السابقة قبل الإسلام . وإن الآخرين هم السابقون إلى الإسلام ذوو البلاء فيه . . والقول الثاني : إن الأولين والآخرين هم من أمة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - فالأولون من صدرها ، والآخرون من متأخريها . وهذا القول الثاني رجحه ابن كثير . وروى في ترجيحه للحسن وابن سيرين : قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد ابن الصباح ، حدثنا عفان ، حدثنا عبد اللّه بن أبي بكر المزني ، سمعت الحسن أتى على هذه الآية : « وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ » فقال : « أما السابقون فقد مضوا ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين » . . ثم قال : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الوليد ، حدثنا السري بن يحيى . قال : قرأ الحسن : « وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ » . . قال : ثلة ممن مضى من هذه الأمة » . . وحدثنا أبي ، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة المنقري ، حدثنا أبو هلال ، عن محمد بن سيرين ، أنه قال في هذه الآية : « ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ » . . قال : كانوا يقولون ، أو يرجون ، أن يكونوا كلهم من هذه الأمة . وبعد بيان من هم يأخذ في تفصيل مناعم الجنة التي أعدت لهم . وهي بطبيعة الحال المناعم التي في طوقهم أن يتصوروها ويدركوها ؛ ووراءها مناعم أخرى يعرفونها هنالك يوم يتهيئون لإدراكها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ! « عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ » . . مشبكة بالمعادن الثمينة . « مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ » . في راحة وخلو بال من الهموم