سيد قطب

3409

في ظلال القرآن

ومتى انتهى الأمر إلى شهوة النفس وهواها فلن يستقيم أمر ، ولن يجدي هدى ؛ لأن العلة هنا ليست خفاء الحق ، ولا ضعف الدليل . إنما هي الهوى الجامح الذي يريد ، ثم يبحث بعد ذلك عن مبرر لما يريد ! وهي شر حالة تصاب بها النفس فلا ينفعها الهدى ، ولا يقنعها الدليل ! ومن ثم يسأل في استنكار : « أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى ؟ » . . فكل ما يتمنى يتحول إلى حقيقة وكل ما يهوى ينقلب إلى واقع ! والأمر ليس كذلك . فإن الحق حق والواقع واقع . وهوى النفس ومناها لا يغيران ولا يبدلان في الحقائق . إنما يضل الإنسان بهواه ، ويهلك بمناه . وهو أضعف من أن يغير أو يبدل في طبائع الأشياء . وإنما الأمر كله للّه يتصرف فيه كما يشاء في الدنيا وفي الآخرة سواء : « فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى » . . ولا ننسى أن نلحظ هنا تقديم الآخرة على الأولى . لمراعاة قافية السورة وإيقاعها . إلى جانب النكتة المعنوية المقصودة بتقديم الآخرة على الأولى . كما هي طبيعة الأسلوب القرآني في الجمع بين أداء المعنى وتنغيم الإيقاع . دون إخلال بهذا على حساب ذاك ! شأنه شأن كل ما هو من صنع اللّه . فالجمال في الكون كله يتناسق مع الوظيفة ويؤاخيها ! وإذا خلص الأمر كله للّه في الآخرة والأولى . فإن أوهام المشركين عن شفاعة الآلهة المدعاة - من الملائكة - لهم عند اللّه . كما قالوا : « ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » . . إن هذه الأوهام لا أصل لها . فالملائكة الحقة في السماء لا تملك الشفاعة إلا حين يأذن اللّه في شيء منها : « وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً . إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى » . . ومن ثم تسقط دعواهم من أساسها ، فوق ما فيها من بطلان تولى تفنيده في الآيات السابقة . وتتجرد العقيدة من كل غبش أو شبهة . فالأمر للّه في الآخرة والأولى . ومنى الإنسان لا تغير من الحق الواقع شيئا . والشفاعة لا تقبل إلا بإذن من اللّه ورضى . فالأمر إليه في النهاية . والاتجاه إليه وحده في الآخرة والأولى . وفي نهاية الفقرة يناقش للمرة الأخيرة أوهام المشركين - الذين لا يؤمنون بالآخرة - عن الملائكة ؛ ويكشف عن أساسها الواهي ، الذي لا ينبغي أن تقوم عليه عقيدة أصلا : « إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى . وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ . إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً » . . وهذا التعقيب الأخير يوحي بعلاقة اللات والعزى ومناة بأسطورة أنوثة الملائكة ونسبتهم إلى اللّه سبحانه ! وهي أسطورة واهية ، لا يتبعون فيها إلا الظن . فليس لهم من وسيلة لأن يعلموا شيئا مستيقنا عن طبيعة الملائكة . فأما نسبتهم إلى اللّه . فهي الباطل الذي لا دليل عليه إلا الوهم الباطل ! وكل هذا لا يغني من الحق ، ولا يقوم مقامه في شيء . الحق الذي يتركونه ويستغنون عنه بالأوهام والظنون ! وحين يبلغ إلى هذا الحد من بيان وهن عقيدة الشرك وتهافتها عند الذين لا يؤمنون بالآخرة ، ويشركون باللّه ، وينسبون له البنات ويسمون الملائكة تسمية الأنثى ! يتجه بالخطاب إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم -