سيد قطب

3410

في ظلال القرآن

ليهمل شأنهم ويعرض عنهم ، ويدع أمرهم للّه الذي يعلم المسئ والمحسن ، ويجزي المهدي والضال ، ويملك أمر السماوات والأرض ، وأمر الدنيا والآخرة ، ويحاسب بالعدل لا يظلم أحدا ، ويتجاوز عن الذنوب التي لا يصر عليها فاعلوها . وهو الخبير بالنوايا والطوايا ، لأنه خالق البشر المطلع على حقيقتهم في أطوار حياتهم جميعا : « فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا . ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى . وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا ، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى . الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ - إِلَّا اللَّمَمَ - إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ . هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ، وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ . فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ . هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى » . . هذا الأمر بالإعراض عمن تولى عن ذكر اللّه ، ولم يؤمن بالآخرة ، ولم يرد إلا الحياة الدنيا . موجه ابتداء إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ليهمل شأن أولئك المشركين الذين سبق الحديث في السورة عن أساطيرهم وأوهامهم وعدم إيمانهم بالآخرة . وهو موجه بعد ذلك إلى كل مسلم يواجهه من يتولى عن ذكر اللّه ويعرض عن الإيمان به ؛ ويجعل وجهته الحياة الدنيا وحدها ، لا ينظر إلى شيء وراءها ، ولا يؤمن بالآخرة ولا يحسب حسابها . ويرى أن حياة الإنسان على هذه الأرض هي غاية وجوده ، لا غاية بعدها ؛ ويقيم منهجه في الحياة على هذا الاعتبار ، فيفصل ضمير الإنسان عن الشعور بإله يدبر أمره ، ويحاسبه على عمله ، بعد رحلة الأرض المحدودة ، وأقرب من تتمثل فيه هذه الصفة في زماننا هذا هم أصحاب المذاهب المادية . والمؤمن باللّه وبالآخرة لا يستطيع أن يشغل باله - فضلا على أن يعامل أو يعايش - من يعرض عن ذكر اللّه ، وينفي الآخرة من حسابه . لأن لكل منهما منهجا في الحياة لا يلتقيان في خطوة واحدة من خطواته ، ولا في نقطة واحدة من نقاطه . وجميع مقاييس الحياة ، وجميع قيمها ، وجميع أهدافها ، تختلف في تصور كل منهما . فلا يمكن إذن أن يتعاونا في الحياة أي تعاون ، ولا أن يشتركا في أي نشاط على هذه الأرض . مع هذا الاختلاف الرئيسي في تصور قيم الحياة وأهدافها ومناهج النشاط فيها ، وغاية هذا النشاط . وما دام التعاون والمشاركة متعذرين فما داعي الاهتمام والاحتفال ؟ إن المؤمن يعبث حين يحفل شأن هؤلاء الذين يعرضون عن ذكر اللّه ولا يريدون إلا الحياة الدنيا . وينفق طاقته التي وهبه اللّه إياها في غير موضعها . على أن للإعراض اتجاها آخر ، هو التهوين من شأن هذه الفئة . فئة الذين لا يؤمنون باللّه ؛ ولا يبتغون شيئا وراء الحياة الدنيا . فمهما كان شأنهم فهم محجوبون عن الحقيقة ، قاصرون عن إدراكها ، واقفون وراء الأسوار . أسوار الحياة الدنيا . . « ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ » . وهو مبلغ تافه مهما بدا عظيما . قاصر مهما بدا شاملا . مضلل مهما بدا هاديا . وما يمكن أن يعلم شيئا ذا قيمة من يقف بقلبه وحسه وعقله عند حدود هذه الأرض . ووراءها - حتى في رأي العين - عالم هائل لم يخلق نفسه . ووجوده هكذا أمر ترفضه البداهة . ولم يوجد عبثا متى كان له خالق . وإنه لعبث أن تكون الحياة الدنيا هي نهاية هذا الخلق الهائل وغايته . . فإدراك حقيقة هذا الكون من أي طرف من أطرافها كفيل بالإيمان بالخالق . وكفيل كذلك بالإيمان بالآخرة . نفيا للعبث عن هذا الخالق العظيم الذي يبدع هذا الكون الكبير . ومن ثم يجب الإعراض عمن يتولى عن ذكر اللّه ويقف عند حدود الدنيا ، الإعراض على سبيل صيانة