سيد قطب

3408

في ظلال القرآن

الكعبة بيت إبراهيم عليه السلام . ويظن أن اسمها « اللَّاتَ » مؤنث لفظ الجلالة « الله » . سبحانه وتعالى . وكانت « الْعُزَّى » شجرة عليها بناء وأستار بنخلة - وهي بين مكة والطائف - وكانت قريش تعظمها . كما قال أبو سفيان يوم أحد . لنا العزى ولا عزى لكم . فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « قولوا : اللّه مولانا ولا مولى لكم » . ويظن أن اسمها « الْعُزَّى » مؤنث « العزيز » . . وكانت « مَناةَ » بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة . وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتهم يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة . وكان بالجزيرة كثير من هذه المعبودات تعظمها القبائل المختلفة . ولكن هذه الثلاثة كانت أعظمها . والمظنون أن هذه المعبودات كانت رموزا لملائكة يعتبرهن العرب إناثا ويقولون : إنهن بنات اللّه . ومن هنا جاءت عبادتها ، والذي يقع غالبا أن ينسى الأصل ، ثم تصبح هذه الرموز معبودات بذاتها عند جمهرة العباد . ولا تبقى إلا قلة متنورة هي التي تذكر أصل الأسطورة ! فلما ذكر اللّه هذه المعبودات الثلاثة معجّبا منها ومن عبادتها كما تفيد صيغة السؤال ولفظه : « أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى . وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ؟ » . . والتعجيب والتشهير واضح في افتتاح السؤال : « أَ فَرَأَيْتُمُ ؟ » وفي الحديث عن مناة . . الثالثة الأخرى . . لما ذكر اللّه هذه المعبودات عقب عليها باستنكار دعواهم أن للّه الإناث وأن لهم الذكور : « أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ؟ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى » . . مما يوحي بأن لهذه المعبودات صلة بأسطورة أنوثة الملائكة ، ونسبتها إلى اللّه سبحانه . مما يرجح ما ذكرناه عنها . وقد كانوا هم يكرهون ولادة البنات لهم . ومع هذا لم يستحيوا أن يجعلوا الملائكة إناثا - وهم لا يعلمون عنهم شيئا يلزمهم بهذا التصور . وأن ينسبوا هؤلاء الإناث إلى اللّه ! واللّه - سبحانه - يأخذهم هنا بتصوراتهم وأساطيرهم ؛ ويسخر منها ومنهم : « أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ؟ » . . إنها إذن قسمة غير عادلة قسمتكم بين أنفسكم وبين اللّه ! « تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ! » . . والمسألة كلها وهم لا أساس له من العلم ولا من الواقع . ولا حجة فيها ولا دليل : « إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ . إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ . وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى » ! هذه الأسماء . اللات . العزى . مناة . . وغيرها . وتسميتها آلهة وتسميتها ملائكة . وتسمية الملائكة إناثا . وتسمية الإناث بنات اللّه . . . كلها أسماء لا مدلول لها ، ولا حقيقة وراءها . ولم يجعل اللّه لكم حجة فيها . وكل ما لم يقرره اللّه فلا قوة فيه ولا سلطان له . لأنه لا حقيقة له . وللحقيقة ثقل . وللحقيقة قوة . وللحقيقة سلطان فأما الأباطيل فهي خفيفة لا وزن لها . ضعيفة لا قوة لها . مهينة لا سلطان فيها . وفي منتصف الآية يتركهم وأوهامهم وأساطيرهم ، ويترك خطابهم ، ويلتفت عنهم كأنهم لا وجود لهم ، ويتحدث عنهم بصيغة الغائب : « إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ » . . فلا حجة ولا علم ولا يقين . إنما هو الظن يقيمون عليه العقيدة ، والهوى يستمدون منه الدليل . والعقيدة لا مجال فيها للظن والهوى ؛ ولا بد فيها من اليقين القاطع والتجرد من الهوى والغرض . . وهم لم يتبعوا الظن والهوى ولهم عذر أو علة : « وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى » . . فانقطع العذر وبطل التعلل !