سيد قطب
3407
في ظلال القرآن
مكان بعد تثبت القلب ويقين الفؤاد . وليست هذه هي المرة الوحيدة التي رآه فيها على صورته . فقد تكررت مرة آخري : « وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى . عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى . عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى . ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى . لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى » . وكان ذلك في ليلة الإسراء والمعراج - على الراجح من الروايات - فقد دنا منه - وهو على هيئته التي خلقه اللّه بها مرة أخرى « عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى » . . والسدرة كما يعرف من اللفظ شجرة . فأما أنها سدرة المنتهى . فقد يعني هذا أنها التي ينتهي إليها المطاف . فجنة المأوى عندها . أو التي انتهت إليها رحلة المعراج . أو التي انتهت إليها صحبة جبريل لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حيث وقف هو وصعد محمد - صلى اللّه عليه وسلم - درجة أخرى أقرب إلى عرش ربه وأدنى . . وكله غيب من غيب اللّه ، أطلع عليه عبده المصطفى ، ولم يرد إلينا عنه إلا هذا . وكله أمر فوق طاقتنا أن ندرك كيفيته . فلا يدركها الإنسان إلا بمشيئة من خالقه وخالق الملائكة ، العليم بخصائص الإنسان وخصائص الملائكة . . ويذكر ما لابس هذه الرؤية عند سدرة المنتهى . زيادة في التوكيد واليقين : « إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى » . . مما لا يفصله ولا يحدده . فقد كان أهول وأضخم من الوصف والتحديد . وكان ذلك كله حقا يقينا : « ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى » . . فلم يكن زغلة عين ، ولا تجاوز رؤية . إنما هي المشاهدة الواضحة المحققة ، التي لا تحتمل شكا ولا ظنا . وقد عاين فيها من آيات ربه الكبرى ، واتصل قلبه بالحقيقة عارية مباشرة مكشوفة . فالأمر إذن - أمر الوحي - أمر عيان مشهود . ورؤية محققة . ويقين جازم . واتصال مباشر . ومعرفة مؤكدة . وصحبة محسوسة . ورحلة واقعية . بكل تفصيلاتها ومراجعها . . وعلى هذا اليقين تقوم دعوة « صاحِبُكُمْ » الذي تنكرون عليه وتكذبونه وتشككون في صدق الوحي إليه . وهو صاحبكم الذي عرفتموه وخبرتموه . وما هو بغريب عنكم فتجهلوه . وربه يصدقه ويقسم على صدقه . ويقص عليكم كيف أوحى إليه . وفي أي الظروف . وعلى يد من وكيف لاقاه . وأين رآه ! ذلك هو الأمر المستيقن ، الذي يدعوهم إليه محمد - صلى اللّه عليه وسلم - فأما هم فعلام يستندون في عبادتهم وآلهتهم وأساطيرهم ؟ علام يستندون في عبادتهم للات والعزى ومناة ؟ وفي ادعائهم الغامض أنهن ملائكة ، وأن الملائكة بنات اللّه ؟ وأن لهن شفاعة ترتجى عند اللّه ؟ إلى أي بينة ؟ وإلى أية حجة ؟ وإلى أي سلطان يرتكنون في هذه الأوهام ؟ هذا ما يعالجه المقطع الثاني في السورة : « أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ، وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى . أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ؟ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ! إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ . إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ ، وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى . أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى ؟ فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى . وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً ، إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى . إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى . وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً » . . وكانت « اللَّاتَ » صخرة بيضاء منقوشة ، وعليها بيت بالطائف له أستار وسدنة ، وحوله فناء معظّم عند أهل الطائف وهم ثقيف ومن تابعها ، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب عدا قريش لأن عندهم