سيد قطب
3397
في ظلال القرآن
عِينٍ » . . وهذه تمثل أمتع ما يجول في خواطر البشر من متاع جميل . ويمضي التكريم خطوة فإذا ذريتهم المؤمنة تجتمع إليهم في هذا النعيم ، زيادة في الرعاية والعناية . ولو كانت أعمال الذرية أقل من مستوى مقام المتقين ، ما دامت هذه الذرية مؤمنة . وذلك دون أن ينقص شيء من أعمال الآباء ودرجاتهم . ودون إخلال بفردية التبعة وحساب كل بعمله الذي كسبه ، إنما هو فضل اللّه على الجميع : « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ . وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ . كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ » . . ويستطرد المشهد يعرض ألوان المناعم واللذائذ في ذلك النعيم . فإذا فاكهة ولحم مما يشتهون . وإذا هم يتعاطون فيها كأسا ليست كخمر الدنيا تطلق اللغو والهذر من الشفاه والألسنة ، وتشيع الإثم والمعصية في الحس والجوارح . إنما هي مصفاة مبرأة : « لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ » . . وهم يتجاذبونها بينهم ويتعاطونها مجتمعين ، زيادة في الإيناس واللذة والنعيم . في حين يقوم على خدمتهم ويطوف بالكأس عليهم غلمان صباح أبرياء ، فيهم نظافة ، وفيهم صيانة ، وفيهم نداوة : « كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ » مما يضاعف إيناس المجلس اللطيف في الجوارح والقلوب . واستكمالا لجو المشهد المأنوس يعرض سمرهم فيما بينهم ، وتذاكرهم ماضيهم ، وأسباب ما هم فيه من أمن ورضى ورخاء ورغد وأنس ونعيم . فيكشف للقلوب عن سر هذا المتاع ، ويشير إلى الطريق المؤدي إلى هذا النعيم : « وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ . قالُوا : إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ . فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ . إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ ، إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ » . . السر إذن أنهم عاشوا على حذر من هذا اليوم . عاشوا في خشية من لقاء ربهم . عاشوا مشفقين من حسابه . عاشوا كذلك وهم في أهلهم ، حيث الأمان الخادع . ولكنهم لم ينخدعوا . وحيث المشغلة الملهية . ولكنهم لم ينشغلوا . عندئذ منّ اللّه عليهم ووقاهم عذاب السموم ، الذي يتخلل الأجسام كالسم الحار اللاذع ! وقاهم هذا العذاب منة منه وفضلا ، لما علم من تقواهم وخشيتهم وإشفاقهم . وهم يعرفون هذا . ويعرفون أن العمل لا يدخل صاحبه الجنة إلا بمنة من اللّه وفضل . فما يبلغ العمل أكثر من أن يشهد لصاحبه أنه بذل جهده ، ورغب فيما عند اللّه . وهذا هو المؤهل لفضل اللّه . وقد كانوا مع الإشفاق والحذر والتقوى يدعون اللّه : « إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ » . . وهم يعرفون من صفاته البر بعباده والرحمة بعبيده : « إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ » . . وكذلك ينكشف سر الوصول في تناجي هؤلاء الناجين المكرمين في دار النعيم . والآن وقد تلقى الحس سياط العذاب العنيف في الشوط الأول ؛ وتلقى هتاف النعيم الرغيد في الشوط الثاني ؛ وتوفزت بهذا وذلك حساسيته لتلقي الحقائق . . فإن السياق يعاجله بحملة سريعة الإيقاعات . يطارده فيها بالحقائق الصادعة ، ويتعقب وساوسه في مسارب نفسه في صورة استفهامات استنكارية ، وتحديات قوية ، لا يثبت لها الكيان البشري حين تصل إليه من أي طريق :