سيد قطب
3398
في ظلال القرآن
« فَذَكِّرْ . فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ . أَمْ يَقُولُونَ : شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ؟ قُلْ : تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ . أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا ؟ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ؟ أَمْ يَقُولُونَ : تَقَوَّلَهُ ؟ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ . فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ . أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ؟ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ؟ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ؟ بَلْ لا يُوقِنُونَ . أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ ؟ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ؟ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ؟ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ . أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ؟ أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ؟ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ؟ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً ؟ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ . أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ ؟ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ . وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا : سَحابٌ مَرْكُومٌ » . . « فَذَكِّرْ » . . والخطاب للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ليظل في تذكيره لا يثنيه سوء أدبهم معه ، وسوء اتهامهم له . وقد كانوا يقولون عنه مرة : إنه كاهن . ويقولون عنه مرة : إنه مجنون . ويجمع بين الوصفين عندهم ما كان شائعا بينهم أن الكهان يتلقون عن الشياطين . وأن الشيطان كذلك يتخبط بعض الناس ، فيصابون بالجنون . فالشيطان هو العامل المشترك بين الوصفين : كاهن أو مجنون ! وكان يحملهم على وصف النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بهذا الوصف أو ذاك ، أو بقولهم إنه شاعر أو ساحر . كان يحملهم على هذا كله موقفهم مبهوتين أمام القرآن الكريم المعجز الذي يبدههم بما لم يعهدوا من القول ، وهم أهل القول ! ولما كانوا لا يريدون - لعلة في نفوسهم - أن يعترفوا أنه من عند اللّه ، فقد احتاجوا أن يعللوا مصدره المتفوق على البشر . فقالوا : إنه من إيحاء الجن أو بمساعدتهم . فصاحبه إما كاهن يتلقى من الجن ، أو ساحر يستعين بهم ، أو شاعر له رئيّ من الجن ، أو مجنون به مس من الشيطان ينطقه بهذا القول العجيب ! وإنها لقولة فظيعة شنيعة . فاللّه - سبحانه - يسلي رسوله عنها ، ويصغر من شأنها في نفسه . وهو يشهد له أنه محوط بنعمة ربه ، التي لا تكون معها كهانة ولا جنون : « فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ » . . ثم يستنكر قولهم : إنه شاعر : « أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ؟ » . . وقد قالوها . وقال بعضهم لبعض : اصبروا عليه ، واثبتوا على ما أنتم فيه ، حتى يأتيه الموت ، فيريحنا منه ! وتواصوا أن يتربصوا به الموت المريح . ومن ثم يلقن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يرد عليهم في تهديد ملفوف : « قُلْ : تَرَبَّصُوا . فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ » . . وستعلمون من تكون له العاقبة ، ومن ينتهي به التربص إلى النصر والظهور . ولقد كان شيوخ قريش يلقبون بذوي الحلوم . أو ذوي الأحلام . إشارة إلى رجاحة عقولهم وحكمتهم في تصريف الأمور . فهو يتهكم بهم وبأحلامهم تجاه الإسلام . وموقفهم منه ينافي الحكمة والعقل ، فيسأل في تهكم : أهذه الأوصاف التي يصفون بها محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - وتلك المواقف التي يقفونها من رسالته كانت من وحي أحلامهم ؟ أم أنهم طغاة ظالمون لا يقفون عندما تمليه الأحلام والعقول : « أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا ؟ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ » ! وفي السؤال الأول تهكم لاذع . وفي السؤال الثاني اتهام مزر . وواحد منهما لا بد لاحق بهم في موقفهم المريب ! ولقد تطاولت ألسنتهم على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فاتهموه بافتراء ما يقول . فهو هنا يسأل في استنكار : إن كانوا يقولون : تقوّله : كأن هذه الكلمة لا يمكن أن تقال . فهو يسأل عنها في استنكار : « أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ؟ » . . ويبادر ببيان علة هذا القول الغريب : « بَلْ لا يُؤْمِنُونَ » . فعدم استشعار قلوبهم للإيمان ، هو الذي ينطقهم بمثل هذا القول ؛ بعد أن يحجبهم عن إدراك حقيقة هذا القرآن . ولو أدركوها لعلموا أنه ليس من صنع بشر ؛ وأنه لا يحمله إلا صادق أمين .