سيد قطب

3373

في ظلال القرآن

هذه السورة ذات جو خاص . فهي تبدأ بذكر قوى أربعة . . من أمر اللّه . . في لفظ مبهم الدلالة ، يوقع في الحس لأول وهلة أنه أمام أمور ذات سر . يقسم اللّه - تعالى - على أمر : « وَالذَّارِياتِ ذَرْواً ، فَالْحامِلاتِ وِقْراً ، فَالْجارِياتِ يُسْراً ، فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً . إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ . وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ » . . والذاريات . والحاملات . والجاريات . والمقسمات . . مدلولاتها ليست متعارفة ، وهي غامضة تحتاج إلى السؤال والاستفسار ، كما أنها بذاتها تلقي في الحس ذلك الظل . ولعله هو المقصود الأول منها في جو هذه السورة . وما يكاد القسم الأول ينتهي حتى يعقبه قسم آخر بالسماء : « وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ » . . يقسم بها اللّه تعالى . على أمر : « إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ » . . لا استقرار له ولا تناسق فيه ، قائم على التخرصات والظنون ، لا على العلم واليقين . . هذه السورة : بافتتاحها على هذا النحو ، ثم بسياقها كله ، تستهدف أمرا واضحا في سياقها كله . . ربط القلب البشري بالسماء ؛ وتعليقه بغيب اللّه المكنون ؛ وتخليصه من أوهاق الأرض ، وإطلاقه من كل عائق يحول بينه وبين التجرد لعبادة اللّه ، والانطلاق إليه جملة ، والفرار إليه كلية ، استجابة لقوله في السورة : « فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ » . . وتحقيقا لإرادته في عباده : « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » . . ولما كان الانشغال بالرزق وما يخبئه القدر عنه هو أكثف تلك العوائق وأشدها فقد عني في هذه السورة بإطلاق الحس من إساره ، وتطمين النفس من جهته ، وتعليق القلب بالسماء في شأنه ، لا بالأرض وأسبابها القريبة . وتكررت الإشارة إلى هذا الأمر في السورة في مواضع متفرقة منها . إما مباشرة كقوله : « وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ » . . « إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ » . . وإما تعريضا كقوله يصور حال عباده المتقين مع المال : « وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ » . . ووصفه لجود إبراهيم وسخائه وهو يقري ضيوفه القلائل - أو من حسبهم ضيوفه من الملائكة - بعجل سمين ، يسارع به إليهم عقب وفودهم إليه ، وبمجرد إلقاء السلام عليه ، وهو لم يعرفهم إلا منذ لحظة ! فتخليص القلب من أوهاق الأرض ، وإطلاقه من إسار الرزق ، وتعليقه بالسماء ، ترف أشواقه حولها ، ويتطلع إلى خالقها في علاه ، بلا عائق يحول بينه وبين الانطلاق ، ويعوقه عن الفرار إلى اللّه . هو محور السورة بكل موضوعاتها وقضاياها التي تطرقها . ومن ثم كان هذا الافتتاح ، وكان ذلك الإيقاع الغامض في أولها ، وكان القسم بعده بالسماء ، وكان تكرار الإشارة إلى السماء أيضا . . وفي هذا كانت صورة المتقين التي يرسمها في مطلع السورة : « إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ . كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ » . . فهي صورة التطلع إلى اللّه ، والتجرد له ، والقيام في عبادته بالليل ، والتوجه إليه في الأسحار . مع إرخاص المال ، والتخلص من ضغطه ، وجعل نصيب السائل والمحروم حقا فيه . وفي هذا كان التوجيه إلى آيات اللّه في الأرض وفي الأنفس مع تعليق القلوب بالسماء في شأن الرزق ، لا بالأرض وما فيها من أسبابه القريبة : « وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ . وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ . وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ » . . وفي هذا كانت الإشارة إلى بناء اللّه للسماء على سعة ، وتمهيده للأرض في يسر ، وخلقه ما فيها من أزواج ، والتعقيب على هذا كله بالفرار إلى اللّه : « وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ . وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ .