سيد قطب
3374
في ظلال القرآن
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ » . . وفي هذا كان الإيقاع الأخير البارز في السورة ، عن إرادة اللّه سبحانه في خلق الجن والإنس ، ووظيفتهما الرئيسية الأولى : « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ » . . فهو إيقاع واحد مطرد . ذو نغمات متعددة . ولكنها كلها تؤلف ذلك الإيقاع ، وتطلق ذلك الحداء . الحداء بالقلب البشري إلى السماء ! وقد وردت إشارات سريعة إلى حلقة من قصة إبراهيم ولوط ، وقصة موسى ، وقصة عاد ، وقصة ثمود ، وقصة قوم نوح . وفي الإشارة إلى قصة إبراهيم تلك اللمحة عن المال ؛ كما أن فيها لمحة عن الغيب المكنون في تبشيره بغلام عليم ، ورزقه هو وامرأته به على غير ما توقع ولا انتظار . وفي بقية القصص إشارة إلى تصديق وعد اللّه الذي أقسم عليه في أول السورة : « إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ » والذي أشار إليه في ختامها إنذارا للمشركين : « فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ » . . بعد ما ذكر أن أجيال المكذبين كأنما تواصت على التكذيب : « كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا : ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ . أَ تَواصَوْا بِهِ ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ! » . . فالقصص في السورة - على هذا النحو - مرتبط بموضوعها الأصيل . وهو تجريد القلب لعبادة اللّه ، وتخليصه من جميع العوائق ، ووصله بالسماء . بالإيمان أولا واليقين . ثم برفع الحواجز والشواغل دون الرفرفة والانطلاق إلى ذلك الأفق الكريم . « وَالذَّارِياتِ ذَرْواً ، فَالْحامِلاتِ وِقْراً ، فَالْجارِياتِ يُسْراً ، فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً . . إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ، وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ » . . هذه الإيقاعات القصيرة السريعة ، بتلك العبارات الغامضة الدلالة ، تلقي في الحس - كما تقدم - إيحاء خاصا ، وتلقي ظلا معينا ، يعلق القلب بأمر ذي بال ، وشأن يستحق الانتباه . وقد احتاج غير واحد في العهد الأول أن يستفسر عن مدلول الذاريات ، والحاملات ، والجاريات ، والمقسمات . . قال ابن كثير في التفسير : قال شعبة بن الحجاج ، عن سماك بن خالد بن عرعرة ، أنه سمع عليا - رضي اللّه عنه - وشعبة أيضا عن القاسم بن أبي بزة ، عن أبي الطفيل ، أنه سمع عليا - رضي اللّه عنه - وثبت أيضا من غير وجه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - أنه صعد منبر الكوفة فقال : لا تسألوني عن آية في كتاب اللّه تعالى ولا عن سنة عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلا أنبأتكم بذلك . فقام ابن الكواء ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ما معنى قوله تعالى : « وَالذَّارِياتِ ذَرْواً » ؟ قال علي - رضي اللّه عنه : الريح . قال : « فَالْحامِلاتِ وِقْراً » ؟ قال - رضي اللّه عنه - : السحاب . قال : « فَالْجارِياتِ يُسْراً » ؟ قال - رضي اللّه عنه - : السفن . قال : « فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً » ؟ قال - رضي اللّه عنه - : الملائكة . وجاء صبيغ بن عسل التميمي إلى عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - فسأله عنها فأجابه بمثل ما روي عن علي بن أبي طالب - كرم اللّه وجهه - وقد أحس عمر - رضي اللّه عنه - أنه يسأل عنها تعنتا وعنادا فعاقبه ومنعه من مجالسة الناس حتى تاب وحلف بالأيمان المغلظة : ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئا . . وهذه الرواية