سيد قطب
2600
في ظلال القرآن
مضت قصة موسى - عليه السّلام - مع فرعون وملئه ؛ وانتهت بتلك النهاية ، وفيها البشرى للمؤمنين المستضعفين المضطهدين - كما كانت القلة المؤمنة يومذاك في مكة - وفيها الدمار للظالمين المتجبرين الذين يشبه موقفهم موقف المشركين . فالآن تتبعها قصة إبراهيم - عليه السّلام - وقومه . ويؤمر الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يتلوها على المشركين . ذلك أنهم يزعمون أنهم ورثة إبراهيم ، وأنهم على دينه القديم ؛ وهم يشركون باللّه ، ويقيمون الأصنام لعبادتها في بيته الحرام ، الذي بناه إبراهيم خالصا للّه . . فاتل عليهم نبأ إبراهيم ليتبينوا منه حقيقة ما يزعمون . والقصص في هذه السورة لا يتبع الخط التاريخي ، لأن العبرة وحدها هي المقصودة . فأما في سورة الأعراف مثلا فقد كان الخط التاريخي مقصودا ، لعرض خط وراثة الأرض ، وتتابع الرسل من عهد آدم - عليه السّلام - فمضى القصص فيها يتبع خط التاريخ ، منذ الهبوط من الجنة ، وبدء الحياة البشرية . والحلقة التي تعرض هنا من قصة إبراهيم - عليه السّلام - هي حلقة الرسالة إلى قومه ، وحواره معهم حول العقيدة ، وإنكار الآلهة المدعاة ، والاتجاه بالعبادة إلى اللّه . والتذكير باليوم الآخر . يعقب هذا مشهد كامل من مشاهد القيامة ، يتنكر فيه العباد للآلهة ، ويندمون على الشرك الذي انتهى بهم إلى ما هم فيه . كأنهم قد صاروا فعلا إلى ما هم فيه ! وهنا عبرة القصة للمشركين . . ومن ثم يتوسع في الحديث عن مقومات عقيدة