سيد قطب
2877
في ظلال القرآن
بعد ذلك ينظم القرآن علاقة المسلمين ببيوت النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وبنسائه - أمهات المؤمنين - في حياته وبعد وفاته كذلك . ويواجه حالة كانت واقعة ، إذ كان بعض المنافقين والذين في قلوبهم مرض يؤذون النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - في بيوته وفي نسائه . فيحذرهم تحذيرا شديدا ، ويريهم شناعة جرمهم عند اللّه وبشاعته . ويهددهم بعلم اللّه لما يخفون في صدورهم من كيد وشر : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ - غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ - وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا ، فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا . وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ . إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ . وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ . ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ . وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً . إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً . إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً » . . روى البخاري - بإسناده - عن أنس بن مالك قال : بنى النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - بزينب بنت جحش بخبز ولحم . فأرسلت على الطعام داعيا . فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون . ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون . فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه . فقلت : يا رسول اللّه ما أجد أحدا أدعوه . قال : « ارفعوا طعامكم » . وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت . فخرج رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فانطلق إلى حجرة عائشة - رضي اللّه عنها - فقال : « السّلام عليكم - أهل البيت - ورحمة اللّه وبركاته » . قالت : وعليك السّلام ورحمة اللّه . كيف وجدت أهلك يا رسول اللّه ؟ بارك اللّه لك . فتقرى حجر نسائه ، كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة ، ويقلن كما قالت عائشة . ثم رجع النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون . وكان النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - شديد الحياء . فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة . فما أدري أخبرته أم أخبر أن القوم خرجوا . فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخله والأخرى خارجه . أرخى الستر بيني وبينه ، وأنزلت آية الحجاب . والآية تتضمن آدابا لم تكن تعرفها الجاهلية في دخول البيوت ، حتى بيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقد كان الناس يدخلون البيوت بلا إذن من أصحابها - كما جاء في شرح آيات سورة النور الخاصة بالاستئذان - وربما كان هذا الحال أظهر في بيوت النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - بعد أن أصبحت هذه البيوت مهبط العلم والحكمة . وكان بعضهم يدخل وحين يرى طعاما يوقد عليه يجلس في انتظار نضج هذا الطعام ليأكل بدون دعوة إلى الطعام ! وكان بعضهم يجلس بعد الطعام - سواء كان قد دعي إليه أو هجم هو عليه دون دعوة - ويأخذ في الحديث والسمر غير شاعر بما يسببه هذا من إزعاج للنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأهله . وفي رواية أن أولئك الثلاثة الرهط الذين كانوا يسمرون كانوا يفعلون هذا وعروس النبي - زينب بنت جحش - جالسة وجهها إلى الحائط ! والنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - يستحيي أن ينبههم إلى ثقلة مقامهم عنده حياء منه ، ورغبة في ألا يواجه زواره بما يخجلهم ! حتى تولى اللّه - سبحانه - عنه الجهر بالحق « وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ » . ومما يذكر أن عمر - رضي اللّه عنه - بحساسيته المرهفة كان يقترح على النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - الحجاب ؛ وكان يتمناه على ربه . حتى نزل القرآن الكريم مصدقا لاقتراحه مجيبا لحساسيته ! من رواية للبخاري - بإسناده - عن أنس بن مالك . قال : قال عمر بن الخطاب : يا رسول اللّه . يدخل عليك البر والفاجر . فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب . فأنزل اللّه آية الحجاب . . » وجاءت هذه الآية تعلم الناس ألا يدخلوا بيوت النبي بغير إذن . فإذا دعوا إلى الطعام دخلوا . فأما إذا لم