سيد قطب
2878
في ظلال القرآن
يدعوا فلا يدخلون يرتقبون نضجه ! ثم إذا طعموا خرجوا ، ولم يبقوا بعد الطعام للسمر والأخذ بأطراف الحديث . . وما أحوج المسلمين اليوم إلى هذا الأدب الذي يجافيه الكثيرون . فإن المدعوين إلى الطعام يتخلفون بعده ، بل إنهم ليتخلفون على المائدة ، ويطول بهم الحديث ؛ وأهل البيت - الذين يحتفظون ببقية من أمر الإسلام بالاحتجاب - متأذون محتبسون ، والأضياف ماضون في حديثهم وفي سمرهم لا يشعرون ! وفي الأدب الإسلامي غناء وكفاء لكل حالة ، لو كنا نأخذ بهذا الأدب الإلهي القويم . ثم تقرر الآية الحجاب بين نساء النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - والرجال : « وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ » . . وتقرر أن هذا الحجاب أطهر لقلوب الجميع : « ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ » . . فلا يقل أحد غير ما قال اللّه . لا يقل أحد إن الاختلاط ، وإزالة الحجب ، والترخص في الحديث واللقاء والجلوس والمشاركة بين الجنسين أطهر للقلوب ، وأعف للضمائر ، وأعون على تصريف الغريزة المكبوتة ، وعلى إشعار الجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك . . إلى آخر ما يقوله نفر من خلق اللّه الضعاف المهازيل الجهال المحجوبين . لا يقل أحد شيئا من هذا واللّه يقول : « وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ » . . يقول هذا عن نساء النبي الطاهرات . أمهات المؤمنين . وعن رجال الصدر الأول من صحابة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق ! وحين يقول اللّه قولا . ويقول خلق من خلقه قولا . فالقول للّه - سبحانه - وكل قول آخر هراء ، لا يردده إلا من يجرؤ على القول بأن العبيد الفانين أعلم بالنفس البشرية من الخالق الباقي الذي خلق هؤلاء العبيد ! والواقع العملي الملموس يهتف بصدق اللّه ، وكذب المدعين غير ما يقول اللّه . والتجارب المعروضة اليوم في العالم مصدقة لما نقول . وهي في البلاد التي بلغ الاختلاط الحر فيها أقصاه أظهر في هذا وأقطع من كل دليل . ( وأمريكا أول هذه البلاد التي آتى الاختلاط فيها أبشع الثمار ) « 1 » . وقد ذكرت الآية أن مجيئهم للطعام منتظرين نضجه من غير دعوة ؛ وبقاءهم بعد الطعام مستأنسين للحديث . . كان يؤذي النبي فيستحيي منهم . وفي ختامها تقرر أنه ما يكون للمسلمين أن يؤذوا رسول اللّه . وكذلك ما يكون لهم أن يتزوجوا أزواجه من بعده ؛ وهن بمنزلة أمهاتهم . ومكانهن الخاص من رسول اللّه يحرم أن ينكحهن أحد من بعده ، احتفاظا بحرمة هذا البيت وجلاله وتفرده : « وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً » . . وقد ورد أن بعض المنافقين قال : إنه ينتظر أن يتزوج من عائشة ! « إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً » . . وما أهول ما يكون عند اللّه عظيما ! ولا يقف السياق عند هذا الإنذار الهائل ، بل يستطرد إلى تهديد آخر هائل : « إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً » . .
--> ( 1 ) راجع بتوسع فصل « سلام البيت » في كتاب : « السّلام العالمي والإسلام » . « دار الشروق » .