سيد قطب

2876

في ظلال القرآن

النساء . وقد نظر اللّه إليهن ، فاستثنى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من ذلك القيد ، وأحل له استبقاء نسائه جميعا في عصمته ، وجعلهن كلهن حلا له ، ثم نزل القرآن بعد ذلك بألا يزيد عليهن أحدا ، ولا يستبدل بواحدة منهن أخرى . فإنما هذه الميزة لهؤلاء اللواتي ارتبطن به وحدهن ، كيلا يحرمن شرف النسبة إليه ، بعد ما اخترن اللّه ورسوله والدار الآخرة . . وحول هذه المبادئ تدور هذه الآيات : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ، وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ، وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ ، وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ، وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها ، خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ، قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ، لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً . تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ ، وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ . ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً . لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ ، وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ - إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ - وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً » . . ففي الآية يحل اللّه للنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - أنواع النساء المذكورات فيها - ولو كن فوق الأربع - مما هو محرم على غيره . وهذه الأنواع هي : الأزواج اللواتي أمهرهن . وما ملكت يمينه إطلاقا من الفيء ، وبنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته ممن هاجرن معه دون غيرهن ممن لم يهاجرن - إكراما للمهاجرات - وأيما امرأة وهبت نفسها للنبي بلا مهر ولا ولي . إن أراد النبي نكاحها ( وقد تضاربت الروايات حول ما إذا كان النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - قد تزوج واحدة من هذا الصنف من النساء أم لم يتزوج ، والأرجح أنه زوج اللواتي عرضن أنفسهن عليه من رجال آخرين ) وقد جعل اللّه هذه خصوصية للنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - بما أنه ولي المؤمنين والمؤمنات جميعا . فأما الآخرون فهم خاضعون لما بينه اللّه وفرضه عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم . ذلك كيلا يكون على النبي حرج في استبقاء أزواجه وفي الاستجابة للظروف الخاصة المحيطة بشخصه . ثم ترك الخيار له - صلّى اللّه عليه وسلّم - في أن يضم إلى عصمته من شاء ممن يعرضن أنفسهن عليه ، أو يؤجل ذلك . ومن أرجأهن فله أن يعود إليهن حين يشاء . . وله أن يباشر من نسائه من يريد ويرجئ من يريد . ثم يعود . . « ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ » . . فهي مراعاة الظروف الخاصة المحيطة بشخص الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - والرغبات الموجهة إليه ، والحرص على شرف الاتصال به ، مما يعلمه اللّه ويدبره بعلمه وحلمه . « وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً » . ثم أنزل اللّه تحريم من عدا نسائه اللواتي في عصمته فعلا ، لا من ناحية العدد ، ولكن هن بذواتهن لا يستبدل بهن غيرهن ؛ ولم يعرف أن رسول اللّه قد زاد عليهن قبل التحريم : « لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ ، وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ - وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ » لا يستثني من ذلك - « إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ » . . فله منهن ما يشاء . . « وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً » . . والأمر موكول إلى هذه الرقابة واستقرارها في القلوب . وقد روت عائشة - رضي اللّه عنها - أن هذا التحريم قد ألغي قبل وفاة النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وتركت له حرية الزواج . ولكنه - صلّى اللّه عليه وسلّم - لم يتزوج كذلك غيرهن بعد هذه الإباحة . فكن هن أمهات المؤمنين . .