سيد قطب
2848
في ظلال القرآن
فهكذا كان الأمر إبان معركة الأحزاب . فلما أيد اللّه تعالى نبيه بنصره ، ورد أعداءه بغيظهم لم ينالوا خيرا ؛ وكفى اللّه المؤمنين القتال . . رجع النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى المدينة منصورا ، ووضع الناس السلاح ، فبينما رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يغتسل من وعثاء المرابطة ، في بيت أم سلمة - رضي اللّه عنها - إذ تبدى له جبريل - عليه السّلام - فقال : « أوضعت السلاح يا رسول اللّه ؟ قال - صلّى اللّه عليه وسلّم - : نعم » . قال : « ولكن الملائكة لم تضع أسلحتها ! وهذا أوان رجوعي من طلب القوم » . ثم قال : « إن اللّه تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة » - وكانت على أميال من المدينة - . وذلك بعد صلاة الظهر . وقال - صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة » . فسار الناس في الطريق ، فأدركتهم الصلاة في الطريق ، فصلّى بعضهم في الطريق ، وقالوا : لم يرد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلا تعجيل المسير . وقال آخرون : لا نصليها إلا في بني قريظة . فلم يعنف واحدا من الفريقين . وتبعهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم ( صاحب عبس وتولى أن جاءه الأعمى . . ) رضي اللّه عنه - وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - ثم نازلهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة . فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس - رضي اللّه عنه - لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية . واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك كما فعل عبد اللّه بن أبي بن سلول في مواليه بني قينقاع حتى استطلقهم من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فظن هؤلاء أن سعدا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك . ولم يعلموا أن سعدا - رضي اللّه عنه - كان قد أصابه سهم في أكحله ( وهو عرق رئيسي في الذراع لا يرقأ إذا قطع ) أيام الخندق ؛ فكواه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في أكحله ، وأنزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب ؛ وقال سعد - رضي اللّه عنه - فيما دعا به : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقنا لها ؛ وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها ؛ ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة . فاستجاب اللّه تعالى دعاءه . وقدر عليهم أن ينزلوا على حكمه باختيارهم ، طلبا من تلقاء أنفسهم . فعند ذلك استدعاه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من المدينة ليحكم فيهم . فلما أقبل - وهو راكب على حمار قد وطئوا له عليه - جعل الأوس يلوذون به ، يقولون : يا سعد إنهم مواليك ، فأحسن عليهم . ويرققونه عليهم ويعطفونه . وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال - رضي اللّه عنه - : لقد آن لسعد ألا تأخذه في اللّه لومة لائم . فعرفوا أنه غير مستبقيهم ! فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال رسول اللّه : « قوموا إلى سيدكم » فقام إليه المسلمون فأنزلوه ؛ إعظاما وإكراما واحتراما له في محل ولايته ، ليكون أنفذ لحكمه فيهم . فلما جلس قال له رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « إن هؤلاء - وأشار إليهم - قد نزلوا على حكمك . فاحكم فيهم بما شئت » فقال - رضي اللّه عنه - : وحكمي نافذ عليهم ؟ قال - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « نعم » . قال : وعلى من في هذه الخيمة ؟ قال : « نعم » . قال : وعلى من هاهنا ( وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وهو معرض بوجهه عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إجلالا وإكراما وإعظاما ) . فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « نعم » . فقال - رضي اللّه عنه - : إني أحكم أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذريتهم وأموالهم . فقال له رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « لقد حكمت بحكم اللّه تعالى من فوق