سيد قطب
2849
في ظلال القرآن
سبعة أرقعة » ( أي سماوات ) . ثم أمر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بالأخاديد فخدت في الأرض ، وجيء بهم مكتفين ، فضرب أعناقهم . وكانوا ما بين السبع مائة ، والثماني مائة . وسبي من لم ينبت ( كناية عن البلوغ ) مع النساء والأموال . وفيهم حيي بن أخطب . وكان قد دخل معهم في حصنهم كما عاهدهم . ومنذ ذلك اليوم ذلت يهود ، وضعفت حركة النفاق في المدينة ؛ وطأطأ المنافقون رؤوسهم ، وجبنوا عن كثير مما كانوا يأتون . وتبع هذا وذلك أن المشركين لم يعودوا يفكرون في غزو المسلمين ، بل أصبح المسلمون هم الذين يغزونهم . حتى كان فتح مكة والطائف . ويمكن أن يقال : إنه كان هناك تلازم بين حركات اليهود وحركات المنافقين وحركات المشركين . وإن طرد اليهود من المدينة قد أنهى هذا التلازم ، وإنه كان فارقا واضحا بين عهدين في نشأة الدولة الإسلامية واستقرارها . فهذا مصداق قول اللّه سبحانه : « وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ، فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً . وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها . وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً » . والصياصي : الحصون والأرض التي ورثها المسلمون ولم يطئوها ، ربما كانت أرضا مملوكة لبني قريظة خارج محلتهم . وقد آلت للمسلمين فيما آل إليهم من أموالهم . وربما كانت إشارة إلى تسليم بني قريظة أرضهم بغير قتال . ويكون الوطء معناه الحرب التي توطأ فيها الأرض . « وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً » . . فهذا هو التعقيب المنتزع من الواقع ؛ وهو التعقيب الذي يرد الأمر كله إلى اللّه . وقد مضى السياق في عرض المعركة كلها يرد الأمر كله إلى اللّه . ويسند الأفعال فيها إلى اللّه مباشرة . تثبيتا لهذه الحقيقة الكبيرة ، التي يثبتها اللّه في قلوب المسلمين بالأحداث الواقعة ، وبالقرآن بعد الأحداث ، ليقوم عليها التصور الإسلامي في النفوس . وهكذا يتم استعراض ذلك الحادث الضخم . وقد اشتمل على السنن والقيم والتوجيهات والقواعد التي جاء القرآن ليقيمها في قلوب الجماعة المسلمة وفي حياتها على السواء . وهكذا تصبح الأحداث مادة للتربية ؛ ويصبح القرآن دليلا وترجمانا للحياة وأحداثها ، ولاتجاهها وتصوراتها . وتستقر القيم ، وتطمئن القلوب ، بالابتلاء وبالقرآن سواء ! انتهى الجزء الحادي والعشرون ويليه الجزء الثاني والعشرون مبدوءا بقوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ . . . »