سيد قطب
2838
في ظلال القرآن
المشركون عن صلاة الوسطى صلاة العصر . ملأ اللّه أجوافهم وقلوبهم نارا « 1 » » . . وخرجت طليعتان للمسلمين ليلا فالتقتا - ولا يشعر بعضهم ببعض ، ولا يظنون إلا أنهم العدو . فكانت بينهم جراحة وقتل . ثم نادوا بشعار الإسلام ! « حم . لا ينصرون » فكف بعضهم عن بعض . فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « جراحكم في سبيل اللّه ومن قتل منكم فإنه شهيد » . . ولقد كان أشد الكرب على المسلمين ، وهم محصورون بالمشركين داخل الخندق ، ذلك الذي كان يجيئهم من انتقاض بني قريظة عليهم من خلفهم . فلم يكونوا يأمنون في أية لحظة أن ينقض عليهم المشركون من الخندق ، وأن تميل عليهم يهود ، وهم قلة بين هذه الجموع ، التي جاءت بنية استئصالهم في معركة حاسمة أخيرة . ذلك كله إلى ما كان من كيد المنافقين والمرجفين في المدينة وبين الصفوف : « وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ : ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً » . . فقد وجد هؤلاء في الكرب المزلزل ، والشدة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيثة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد ؛ وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة في وعد اللّه ووعد رسوله ، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون . فالواقع بظاهره يصدقهم في التوهين والتشكيك . وهم مع هذا منطقيون مع أنفسهم ومشاعرهم ؛ فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل ، وروع نفوسهم ترويعا لا يثبت له إيمانهم المهلهل ! فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين ! ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة ؛ وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء . فهم نموذج مكرر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان ! « وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ : يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا » . . فهم يحرضون أهل المدينة على ترك الصفوف ، والعودة إلى بيوتهم ، بحجة أن إقامتهم أمام الخندق مرابطين هكذا ، لا موضع لها ولا محل ، وبيوتهم معرضة للخطر من ورائهم . . وهي دعوة خبيثة تأتي النفوس من الثغرة الضعيفة فيها ، ثغرة الخوف على النساء والذراري . والخطر محدق والهول جامح ، والظنون لا تثبت ولا تستقر ! « وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ ، يَقُولُونَ : إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ » . . يستأذنون بحجة أن بيوتهم مكشوفة للعدو . متروكة بلا حماية . وهنا يكشف القرآن عن الحقيقة ، ويجردهم من العذر والحجة : « وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ » . . ويضبطهم متلبسين بالكذب والاحتيال والجبن والفرار : « إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً » . . وقد روي أن بني حارثة بعثت بأوس بن قيظي إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يقولون : « إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ » ، وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا . ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا ، فأذن لنا فلنرجع
--> ( 1 ) في حديث جابر أن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إنما شغل يومئذ عن صلاة العصر . والظاهر أن ذلك تكرر . فمرة شغل عن العصر فقال ذلك الدعاء . ومرة شغل عن تلك الصلوات كلها . .