سيد قطب

2839

في ظلال القرآن

إلى دورنا ، فنمنع ذرارينا ونساءنا . فأذن لهم - صلّى اللّه عليه وسلّم - فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال : يا رسول اللّه لا تأذن لهم . إنا واللّه ما أصابنا وإياهم شدة إلا صنعوا هكذا . . فردهم . . فهكذا كان أولئك الذين يجبهم القرآن بأنهم : « إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً » . . ويقف السياق عند هذه اللقطة الفنية المصورة لموقف البلبلة والفزع والمراوغة . يقف ليرسم صورة نفسية لهؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض . صورة نفسية داخلية لوهن العقيدة ، وخور القلب ، والاستعداد للانسلاخ من الصف بمجرد مصادفة غير مبقين على شيء ، ولا متجملين لشيء : « وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ، ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها ، وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً » . . ذلك كان شأنهم والأعداء بعد خارج المدينة ؛ ولم تقتحم عليهم بعد . ومهما يكن الكرب والفزع ، فالخطر المتوقع غير الخطر الواقع ، فأما لو وقع واقتحمت عليهم المدينة من أطرافها . . « ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ » وطلبت إليهم الردة عن دينهم « لَآتَوْها » سراعا غير متلبثين ، ولا مترددين « إِلَّا قَلِيلًا » من الوقت ، أو إلا قليلا منهم يتلبثون شيئا ما قبل أن يستجيبوا ويستسلموا ويرتدوا كفارا ! فهي عقيدة واهنة لا تثبت ؛ وهو جبن غامر لا يملكون معه مقاومة ! هكذا يكشفهم القرآن ؛ ويقف نفوسهم عارية من كل ستار . . ثم يصمهم بعد هذا بنقض العهد وخلف الوعد . ومع من ؟ مع اللّه الذي عاهدوه من قبل على غير هذا ؛ ثم لم يرعوا مع اللّه عهدا : « وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ . وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا » . قال ابن هشام من رواية ابن إسحاق في السيرة : هم بنو حارثة ، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة حين همتا بالفشل يومها . ثم عاهدوا اللّه ألا يعودوا لمثلها أبدا . فذكر لهم الذي أعطوا من أنفسهم . فأما يوم أحد فقد تداركهم اللّه برحمته ورعايته ، وثبتهم ، وعصمهم من عواقب الفشل . وكان ذلك درسا من دروس التربية في أوائل العهد بالجهاد . فأما اليوم ، وبعد الزمن الطويل ، والتجربة الكافية ، فالقرآن يواجههم هذه المواجهة العنيفة . وعند هذا المقطع - وهم أمام العهد المنقوض ابتغاء النجاة من الخطر والأمان من الفزع - يقرر القرآن إحدى القيم الباقية التي يقررها في أوانها ؛ ويصحح التصور الذي يدعوهم إلى نقض العهد والفرار : « قُلْ : لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ؛ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا . قُلْ : مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً ؛ وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً » . . إن قدر اللّه هو المسيطر على الأحداث والمصائر ، يدفعها في الطريق المرسوم ، وينتهي بها إلى النهاية المحتومة . والموت أو القتل قدر لا مفر من لقائه ، في موعده ، لا يستقدم لحظة ولا يستأخر . ولن ينفع الفرار في دفع القدر المحتوم عن فارّ . فإذا فروا فإنهم ملاقون حتفهم المكتوب ، في موعده القريب . وكل موعده في الدنيا قريب ، وكل متاع فيها قليل ولا عاصم من اللّه ولا من يحول دون نفاذ مشيئته . سواء أراد بهم سوءا أم أراد بهم رحمة ، ولا مولى لهم ولا نصير ، من دون اللّه ، يحميهم ويمنعهم من قدر اللّه . فالاستسلام الاستسلام . والطاعة الطاعة . والوفاء الوفاء بالعهد مع اللّه ، في السراء والضراء . ورجع