سيد قطب
2707
في ظلال القرآن
ثم يرد أمرهم وأمر كل شيء إلى إرادة اللّه واختياره ؛ فهو الذي يخلق كل شيء ، ويعلم كل شيء ، وإليه مرد الأمر كله في الأولى والآخرة ، وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم في الدنيا وله الرجعة والمآب . وما يملكون أن يختاروا لأنفسهم ولا لغيرهم ، فاللّه يخلق ما يشاء ويختار : « وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ، سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ . وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ . وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ ، وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » . . وهذا التعقيب يجيء بعد حكاية قولهم : « إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا » وبعد استعراض موقفهم يوم الحساب على الشرك والغواية . . يجيء لتقرير أنهم لا يملكون الاختيار لأنفسهم فيختاروا الأمن أو المخافة ! ولتقرير وحدانية اللّه ورد الأمر كله إليه في النهاية . « وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ . ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ » . . إنها الحقيقة التي كثيرا ما ينساها الناس ، أو ينسون بعض جوانبها . إن اللّه يخلق ما يشاء ؛ لا يملك أحد أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص في خلقه شيئا ، ولا أن يعدل أو يبدل في خلقه شيئا . وإنه هو الذي يختار من خلقه ما يشاء ومن يشاء لما يريد من الوظائف والأعمال والتكاليف والمقامات ؛ ولا يملك أحد أن يقترح عليه شخصا ولا حادثا ولا حركة ولا قولا ولا فعلا . . « ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ » لا في شأن أنفسهم ولا في شأن غيرهم ، ومرد الأمر كله إلى اللّه في الصغير والكبير . . هذه الحقيقة لو استقرت في الإخلاد والضمائر لما سخط الناس شيئا يحل بهم ، ولا استخفهم شيء ينالونه بأيديهم ، ولا أحزنهم شيء يفوتهم أو يفلت منهم . فليسوا هم الذين يختارون ، إنما اللّه هو الذي يختار . وليس معنى هذا أن يلغوا عقولهم وإرادتهم ونشاطهم . ولكن معناه أن يتقبلوا ما يقع - بعد أن يبذلوا ما في وسعهم من التفكير والتدبير والاختيار - بالرضى والتسليم والقبول . فإن عليهم ما في وسعهم والأمر بعد ذلك للّه . ولقد كان المشركون يشركون مع اللّه آلهة مدعاة ؛ واللّه وحده هو الخالق المختار لا شريك له في خلقه ولا في اختياره . . « سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ » . . « وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ » . . فهو مجازيهم بما يعلم من أمرهم ، مختار لهم ما هم له أهل ، من هدى أو ضلال . « وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » . . فلا شريك له في خلق ولا اختيار . « لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ » . . على اختياره ، وعلى نعمائه ، وعلى حكمته وتدبيره ، وعلى عدله ورحمته ، وهو وحده المختص بالحمد والثناء . « وَلَهُ الْحُكْمُ » . . يقضي في عباده بقضائه ، لا راد له ولا مبدل لحكمه . « وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » . . فيقضي بينكم قضاءه الأخير . . وهكذا يطوقهم بالشعور بقدرة اللّه وتفرد إرادته في هذا الوجود واطلاعه على سرهم وعلانيتهم فلا تخفى عليه منهم خافية ؛ وإليه مرجعهم فلا تشرد منهم شاردة . فكيف يشركون باللّه بعد هذا وهم في قبضته لا يفلتون ؟ ثم يجول بهم جولة في مشاهد الكون الذي يعيشون فيه غافلين عن تدبير اللّه لهم ، واختياره لحياتهم ومعاشهم ؛