سيد قطب
2708
في ظلال القرآن
فيوقظ مشاعرهم لظاهرتين كونيتين عظيمتين . ظاهرتي الليل والنهار ، وما وراءهما من أسرار الاختيار والشهادة بوحدانية الخالق المختار : « قُلْ : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ ؟ أَ فَلا تَسْمَعُونَ ؟ قُلْ : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ؟ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ؟ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . . والناس لطول ما اعتادوا من كر الجديدين ينسون جدتهما المتكررة التي لا تبلى . ولا يروعهم مطلع الشمس ولا مغيبها إلا قليلا . ولا يهزهم طلوع النهار وإقبال الليل إلا نادرا . ولا يتدبرون ما في تواليهما من رحمة بهم وإنقاذ من البلى والدمار ، أو التعطل والبوار ، أو الملل والهمود . والقرآن الكريم يوقظهم من همود الإلف والعادة ، ويلفتهم إلى تملي الكون من حولهم ومشاهده العظيمة ؛ وذلك حين يخيل إليهم استمرار الليل أبدا أو النهار أبدا ، وحين يخيفهم من عواقب هذا وذاك . وما يشعر الإنسان بقيمة الشيء إلا حين يفقده أو يخاف عليه الفقدان . « قُلْ : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ . مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ ؟ أَ فَلا تَسْمَعُونَ ؟ » . . والناس يشتاقون إلى الصبح حين يطول بهم الليل قليلا في أيام الشتاء ، ويحنون إلى ضياء الشمس حين تتوارى عنهم فترة وراء السحاب ! فكيف بهم لو فقدوا الضياء . ولو دام عليهم الليل سرمدا إلى يوم القيامة ؟ ذلك على فرض أنهم ظلوا أحياء . وإن الحياة كلها لمعرضة للتلف والبوار ، لو لم يطلع عليها النهار ! « قُلْ : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ . مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ؟ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ؟ » « 1 » . . والناس يستروحون الظلال حين يطول عليهم الهجير ساعات من النهار . ويحنون إلى الليل حين يطول النهار بعض ساعات في الصيف . ويجدون في ظلام الليل وسكونه الملجأ والقرار . والحياة كلها تحتاج إلى فترة الليل لتجدد ما تنفقه من الطاقة في نشاط النهار . فكيف بالناس لو ظل النهار سرمدا إلى يوم القيامة على فرض أنهم ظلوا أحياء . وإن الحياة كلها لمعرضة للتلف والبوار إن دام عليها النهار ! ألا إن كل شيء بقدر . وكل صغيرة وكبيرة في هذا الكون بتدبير . وكل شيء عنده بمقدار : « وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . . فالليل سكينة وقرار ، والنهار نشاط وعمل ، والمتجه فيه إلى فضل اللّه . فما يعطي الناس شيئا إلا من فضله « وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » ما يسره اللّه لكم من نعمة ومن رحمة ، وما دبره لكم واختاره من توالي الليل والنهار ، ومن كل سنن الحياة التي لم تختاروها ، ولكن اختارها اللّه عن رحمة وعن علم وعن حكمة تغفلون عنها لطول الإلف والتكرار . ويختم هذه الجولات بمشهد سريع من مشاهد القيامة يسألهم فيه سؤال استنكار عما زعموا من شركاء . ويقفهم
--> ( 1 ) حين ذكر الليل لو كان سرمدا قال : « أَ فَلا تَسْمَعُونَ ؟ وحين ذكر النهار لو كان سرمدا قال : « أَ فَلا تُبْصِرُونَ ؟ » ذلك أن السمع هو حاسة الليل والبصر هو حاسة النهار وذلك من التناسق الفني في الأداء .