سيد قطب

2706

في ظلال القرآن

« أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ؟ » . . واللّه يعلم أن لا وجود اليوم لهؤلاء الشركاء ، وأن أتباعهم لا يعلمون عنهم شيئا ، ولا يستطيعون إليهم سبيلا . ولكنه الخزي والفضيحة على رؤوس الأشهاد . ومن ثم لا يجيب المسؤولون عن السؤال ، فليس المقصود به هو الجواب ! إنما يحاولون أن يتبرءوا من جريرة إغوائهم لمن وراءهم ، وصدهم عن هدى اللّه ، كما كان يفعل كبراء قريش مع الناس خلفهم ، فيقولون : « رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا ؛ تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ » ! ربنا إننا لم نغوهم قسرا ، فما كان لنا من سلطان على قلوبهم ؛ إنما هم وقعوا في الغواية عن رضى منهم واختيار ، كما وقعنا نحن في الغواية دون إجبار . « تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ » من جريمة إغوائهم . « ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ » إنما كانوا يعبدون أصناما وأوثانا وخلقا من خلقك ، ولم نجعل أنفسنا لهم آلهة ، ولم يتوجهوا إلينا نحن بالعبادة ! عندئذ يعود بهم إلى المخزاة التي حولوا الحديث عنها . مخزاة الشركاء الذين اتخذوهم من دون اللّه : « وَقِيلَ : ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ » . . ادعوهم ولا تهربوا من سيرتهم ! ادعوهم ليلبوكم وينقذوكم ! ادعوهم فهذا يومهم وهذه فائدتهم ! والبائسون يعرفون أن لا جدوى من دعائهم ، ولكنهم يطيعون الأمر مقهورين : « فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ » . . ولم يكن منتظرا غير ذاك ، ولكنه الإذلال والإعنات ! « وَرَأَوُا الْعَذابَ » . . رأوه في هذا الحوار . ورأوه ماثلا وراءه . فليس وراء هذا الموقف إلا العذاب . وهنا في اللحظة التي يصل فيها المشهد إلى ذروته يعرض عليهم الهدى الذي يرفضونه ، وهو أمنية المتمني في ذلك الموقف المكروب : وهو بين أيديهم في الدنيا لو أنهم إليه يسارعون : « لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ » . . ثم يعود بهم إلى ذلك المشهد المكروب : « وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ، ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ؟ » . . وإن اللّه ليعلم ما ذا أجابوا المرسلين . ولكنه كذلك سؤال التأنيب والترذيل . وإنهم ليواجهون السؤال بالذهول والصمت . ذهول المكروب وصمت الذي لا يجد ما يقول : « فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ » . والتعبير يلقي ظل العمى على المشهد والحركة . وكأنما الأنباء عمياء لا تصل إليهم ، وهم لا يعلمون شيئا عن أي شيء ! ولا يملكون سؤالا ولا جوابا . وهم في ذهولهم صامتون ساكتون ! « فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ » . . وهذه هي الصفحة المقابلة . ففي الوقت الذي يبلغ الكرب ذروته بالمشركين ، يتحدث عمن تاب وآمن وعمل صالحا ، وما ينتظره من الرجاء في الفلاح . ولمن شاء أن يختار . وفي الوقت فسحة للاختيار !