سيد قطب
2705
في ظلال القرآن
ينذرهم عاقبة المكذبين قبلهم بعد ما جاءهم النذير . « وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ » . . يكذبون بالآيات عن معرفة وعن يقين ! على أن متاع الحياة الدنيا بكامله ، وعرض الحياة الدنيا جميعه ، وما مكنهم اللّه فيه من الأرض ، وما وهبهم إياه من الثمرات ، وما يتسنى للبشر كلهم طوال هذه الحياة ، إن هو إلا شيء ضئيل زهيد ، إذا قيس بما عند اللّه : « وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها . وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى . أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ » . وهذا هو التقويم الأخير لا لما يخشون فوته من الأمن والأرض والمتاع وحده ؛ ولا لما يمن به اللّه عليهم من التمكين والثمار والأمان وحده ؛ ولا لما وهبه اللّه للقرى ثم أهلكها بالتبطر فيه وحده . إنما هو التقويم الأخير لكل ما في هذه الحياة الدنيا حتى لو ساغ ، وحتى لو كمل ، وحتى لو دام ، فلم يعقبه الهلاك والدمار . إنه كله « فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها » . . « وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى » خير في طبيعته وأبقى في مدته . « أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ » . . والمفاضلة بين هذا وذاك تحتاج إلى عقل يدرك طبيعة هذا وذاك . ومن ثم يجيء التعقيب في هذه الصيغة للتنبيه لإعمال العقل في الاختيار ! وفي نهاية هذه الجولة يعرض عليهم صفحتي الدنيا والآخرة ، ولمن شاء أن يختار : « أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ؟ » . . فهذه صفحة من وعده اللّه وعدا حسنا فوجده في الآخرة حقا وهو لا بد لاقيه . وهذه صفحة من نال متاع الحياة الدنيا القصير الزهيد ، ثم ها هو ذا في الآخرة محضر إحضارا للحساب . والتعبير يوحي بالإكراه « مِنَ الْمُحْضَرِينَ » الذين يجاء بهم مكرهين خائفين يودون أن لم يكونوا محضرين ، لما ينتظرهم من وراء الحساب على ذلك المتاع القصير الزهيد ! وتلك نهاية المطاف في الرد على مقالتهم : « إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا » فحتى لو كان ذلك كذلك فهو خير من أن يكونوا في الآخرة من المحضرين ! فكيف واتباع هدى اللّه معه الأمن في الدنيا والتمكين ، ومعه العطاء في الآخرة والأمان ؟ ألا إنه لا يترك هدى اللّه إذن إلا الغافلون الذين لا يدركون حقيقة القوى في هذا الكون . ولا يعرفون أين تكون المخافة وأين يكون الأمن . وإلا الخاسرون الذين لا يحسنون الاختيار لأنفسهم ولا يتقون البوار . وعندما يصل بهم إلى الشاطئ الآخر يجول بهم جولة أخرى في مشهد من مشاهد القيامة ، يصور مغبة ما هم فيه من الشرك والغواية : « وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ : أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ؟ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ : رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا ، تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ . وَقِيلَ : ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ . فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ، وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ . « وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ : ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ؟ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ، فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ » . . والسؤال الأول للتوبيخ والتأنيب :