سيد قطب
1917
في ظلال القرآن
وهذا دور من أدوار الرسالة الواحدة بالعقيدة الخالدة ، ينهض به شعيب في قومه أهل مدين . . ومع الدعوة إلى عقيدة التوحيد قضية أخرى ، هي قضية الأمانة والعدالة في التعامل بين الناس ، وهي وثيقة الصلة بالعقيدة في اللّه ، والدينونة له وحده ، واتباع شرعه وأمره . وإن كان أهل مدين قد تلقوها بدهشة بالغة ، ولم يدركوا العلاقة بين المعاملات المالية والصلاة المعبرة عن الدينونة للّه ! وتجري القصة على نسق قصة هود مع عاد ، وقصة صالح مع ثمود ، وإن كانت أقرب في نهايتها وأسلوب عرضها . والتعبير عن خاتمتها إلى قصة صالح ، حتى لتشترك معها في نوع العذاب وفي العبارة عن هذا العذاب . « وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً . قالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ . . . » . إنها الدينونة للّه وحده قاعدة العقيدة الأولى . وقاعدة الحياة الأولى . وقاعدة الشريعة الأولى . وقاعدة المعاملات الأولى . . القاعدة التي لا تقوم بغيرها عقيدة ولا عبادة ولا معاملة . . « وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ ، إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ ، وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ، وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ، وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ » . . والقضية هنا هي قضية الأمانة والعدالة - بعد قضية العقيدة والدينونة - أو هي قضية الشريعة والمعاملات التي تنبثق من قاعدة العقيدة والدينونة . . فقد كان أهل مدين - وبلادهم تقع في الطريق من الحجاز إلى الشام - ينقصون المكيال والميزان ، ويبخسون الناس أشياءهم ، أي ينقصونهم قيمة أشيائهم في المعاملات . وهي رذيلة تمس نظافة القلب واليد ، كما تمس المروءة والشرف . كما كانوا بحكم موقع بلادهم يملكون أن يقطعوا الطريق على القوافل الذاهبة الآئبة بين شمال الجزيرة وجنوبها . ويتحكموا في طرق القوافل ويفرضوا ما يشاءون من المعاملات الجائرة التي وصفها اللّه في هذه السورة . ومن ثم تبدو علاقة عقيدة التوحيد والدينونة للّه وحده بالأمانة والنظافة وعدالة المعاملة وشرف الأخذ والعطاء ، ومكافحة السرقة الخفية سواء قام بها الأفراد أم قامت بها الدول . فهي بذلك ضمانة لحياة إنسانية أفضل ، وضمانة للعدل والسلام في الأرض بين الناس . وهي الضمانة الوحيدة التي تستند إلى الخوف من اللّه وطلب رضاه ، فتستند إلى أصل ثابت ، لا يتأرجح مع المصالح والأهواء . . إن المعاملات والأخلاق لا بد أن تستند إلى أصل ثابت لا يتعلق بعوامل متقلبة . . هذه هي نظرة الإسلام . وهي تختلف من الجذور مع سائر النظريات الاجتماعية والأخلاقية التي ترتكن إلى تفكيرات البشر وتصوراتهم وأوضاعهم ومصالحهم الظاهرة لهم ! وهي حين تستند إلى ذلك الأصل الثابت ينعدم تأثرها بالمصالح المادية القريبة ؛ كما ينعدم تأثرها بالبيئة والعوامل السائدة فيها .