سيد قطب
1918
في ظلال القرآن
فلا يكون المتحكم في أخلاق الناس وقواعد تعاملهم من الناحية الأخلاقية هو كونهم يعيشون على الزراعة أو يعيشون على الرعي أو يعيشون على الصناعة . . إن هذه العوامل المتغيرة تفقد تأثيرها في التصور الأخلاقي وفي قواعد المعاملات الأخلاقية ، حين يصبح مصدر التشريع للحياة كلها هو شريعة اللّه ؛ وحين تصبح قاعدة الأخلاق هي إرضاء اللّه وانتظار ثوابه وتوقي عقابه ، وكل ما يهرف به أصحاب المذاهب الوضعية من تبعية الأخلاق للعلاقات الاقتصادية وللطور الاجتماعي للأمة يصبح لغوا في ظل النظرة الأخلاقية الإسلامية « 1 » ! « وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ . إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ » . . فقد رزقكم اللّه رزقا حسنا ، فلستم في حاجة إلى هذه الدناءة لتزيدوا غنى ، ولن يفقركم أو يضركم أن لا تنقصوا المكيال والميزان . . بل إن هذا الخير ليهدده ما أنتم عليه من غش في المعاملة ، أو غصب في الأخذ والعطاء . « وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ » . . إما في الآخرة عند اللّه . وإما في هذه الأرض حين يؤتي هذا الغش والغصب ثمارهما المرة في حالة المجتمع وفي حركة التجارة . وحين يذوق الناس بعضهم بأس بعض ، في كل حركة من الحركات اليومية وفي كل تعامل وفي كل احتكاك . ومرة أخرى يكرر شعيب نصحه في صورة إيجابية بعد صورة النهي السلبية : « وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ » . . وإيفاء الكيل والميزان أقوى من عدم نقصهما ، لأنه أقرب إلى جانب الزيادة . وللعبارات ظل في الحس . وظل الإيفاء غير ظل عدم النقص ، فهو أكثر سماحة ووفاء . « وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ » . . وهذه أعم من المكيلات والموزونات . فهو يشمل حسن تقويم أشياء الناس من كل نوع . تقويمها كيلا أو وزنا أو سعرا أو تقديرا . وتقويمها ماديا أو معنويا . وقد تدخل في ذلك الأعمال والصفات . لأن كلمة « شيء » تطلق أحيانا ويراد بها غير المحسوسات . وبخس الناس أشياءهم - فوق أنه ظلم - يشيع في نفوس الناس مشاعر سيئة من الألم أو الحقد ، أو اليأس من العدل والخير وحسن التقدير . . وكلها مشاعر تفسد جو الحياة والتعامل والروابط الاجتماعية والنفوس والضمائر ، ولا تبقي على شيء صالح في الحياة . « وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ » . . والعثو هو الإفساد ، فلا تفسدوا متعمدين الإفساد ، قاصدين إلى تحقيقه . ثم يوقظ وجدانهم إلى خير أبقى من ذلك الكسب الدنس الذي يحصلون عليه بنقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم في التقدير : « بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » . . فما عند اللّه أبقى وأفضل . . وقد دعاهم في أول حديثه إلى عبادة اللّه وحده - أي الدينونة له بلا شريك -
--> ( 1 ) يراجع بتوسع كتاب : « نظرية الإسلام الخلقية » للسيد أبي الأعلى المودودي أمير الإسلامية بباكستان . كما يراجع فصل : « نظام أخلاقي » في كتاب : « نحو مجتمع إسلامي » للمؤلف . نشر « دار الشروق » .