سيد قطب
1907
في ظلال القرآن
« يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ » . . وإنه كذلك المنهج الذي لا يتبدل : « فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ » . . ثم هو التعريف بحقيقة الألوهية كما يجدها في نفسه الرسول : « إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ » . . وذكرهم صالح بنشأتهم من الأرض . نشأة جنسهم ، ونشأة أفرادهم من غذاء الأرض أو من عناصرها التي تتألف منها عناصر تكوينهم الجسدي . ومع أنهم من هذه الأرض . من عناصرها . فقد استخلفهم اللّه فيها ليعمروها . استخلفهم بجنسهم واستخلفهم بأشخاصهم بعد الذاهبين من قبلهم . ثم هم بعد ذلك يشركون معه آلهة أخرى . . « فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ » . . واطمئنوا إلى استجابته وقبوله : « إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ » . . والإضافة في « ربي » ولفظ « قريب » ولفظ « مجيب » واجتماعها وتجاورها . . ترسم صورة لحقيقة الألوهية كما تتجلى في قلب من قلوب الصفوة المختارة ، وتخلع على الجو أنسا واتصالا ومودة ، تنتقل من قلب النبي الصالح إلى قلوب مستمعيه لو كانت لهم قلوب ! ولكن قلوب القوم كانت قد بلغت من الفساد والاستغلاق والانطماس درجة لا تستشعر معها جمال تلك الصورة ولا جلالها ، ولا تحس بشاشة هذا القول الرفيق ، ولا وضاءة هذا الجو الطليق . . وإذا بهم يفاجئون ، حتى ليظنون بأخيهم صالح الظنون ! « قالُوا : يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا ! أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ؟ وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ » . . لقد كان لنا رجاء فيك . كنت مرجوا فينا لعلمك أو لعقلك أو لصدقك أو لحسن تدبيرك ، أو لهذا جميعه . ولكن هذا الرجاء قد خاب . . « أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا » . . إنها للقاصمة ! فكل شيء يا صالح إلا هذا ! وما كنا لنتوقع أن تقولها ! فيا لخيبة الرجاء فيك ! ثم إننا لفي شك مما تدعونا إليه . شك يجعلنا نرتاب فيك وفيما تقول : « وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ » . . وهكذا يعجب القوم مما لا عجب فيه ؛ بل يستنكرون ما هو واجب وحق ، ويدهشون لأن يدعوهم أخوهم صالح إلى عبادة اللّه وحده . لما ذا ؟ لا لحجة ولا لبرهان ولا لتفكير . ولكن لأن آباءهم يعبدون هذه الآلهة ! وهكذا يبلغ التحجر بالناس أن يعجبوا من الحق البين . وأن يعللوا العقائد بفعل الآباء ! وهكذا يتبين مرة وثانية وثالثة أن عقيدة التوحيد هي في صميمها دعوة للتحرر الشامل الكامل الصحيح . ودعوة إلى إطلاق العقل البشري من عقال التقليد ، ومن أوهاق الوهم والخرافة التي لا تستند إلى دليل . وتذكرنا قولة ثمود لصالح :