سيد قطب
1908
في ظلال القرآن
« قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا » . . تذكرنا بما كان لقريش من ثقة بصدق محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وأمانته . فلما أن دعاهم إلى ربوبية اللّه وحده تنكروا له كما تنكر قوم صالح ، وقالوا : ساحر . وقالوا : مفتر . ونسوا شهادتهم له وثقتهم فيه ! إنها طبيعة واحدة ، ورواية واحدة تتكرر على مدى العصور والدهور . . ويقول صالح كما قال جده نوح : « قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة ، فمن ينصرني من اللّه إن عصيته ؟ فما تزيدونني غير تخسير » . . يا قوم : ما ذا ترون إن كنت أجد في نفسي حقيقة ربي واضحة بينة ، تجعلني على يقين من أن هذا هو الطريق ؟ وآتاني منه رحمة فاختارني لرسالته وأمدني بالخصائص التي تؤهلني لها . فمن ينصرني من اللّه إن أنا عصيته فقصرت في إبلاغكم دعوته ، احتفاظا برجائكم فيّ ؟ أفنافعي هذا الرجاء وناصري من اللّه ؟ كلا : « فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ؟ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ » . . ما تزيدونني إلا خسارة على خسارة . . غضب اللّه وحرماني شرف الرسالة وخزي الدنيا وعذاب الآخرة . وهي خسارة بعد خسارة . ولا شيء إلا التخسير ! والتثقيل والتشديد ! « وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ، فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ، وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ » ولا يذكر السياق صفة لهذه الناقة التي أشار إليها صالح لتكون آية لهم وعلامة . ولكن في إضافتها للّه : « هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ » وفي تخصيصها لهم : « لكم آية » ما يشير إلى أنها كانت ذات صفة خاصة مميزة ، يعلمون بها أنها آية لهم من اللّه . ونكتفي بهذا دون الخوض في ذلك الخضم من الأساطير والإسرائيليات التي تفرقت بها أقوال المفسرين حول ناقة صالح فيما مضى وفيما سيجيء ! « هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً . فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ » . . وإلا فسيعاجلكم العذاب . يدل على هذه المعاجلة فاء الترتيب في العبارة . ولفظ قريب : « فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ » . . يأخذكم أخذا . وهي حركة أشد من المس أو الوقوع . « فَعَقَرُوها . . فَقالَ : تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ . ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ » . . ودل عقرهم للناقة ، أي ضربهم لها بالسيف في قوائمها وقتلها على هذا النحو . دل على فساد قلوبهم واستهتارهم . والسياق هنا لا يطيل بين إعطائهم الناقة وعقرهم إياها ، لأنها لم تحدث في نفوسهم تجاه الدعوة تغييرا يذكر . ثم ليتابع السياق عجلة العذاب . فهو يعبر هنا بفاء التعقيب في كل الخطوات : « فَعَقَرُوها . فَقالَ : تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ » . . فهي آخر ما بقي لكم من متاع هذه الدنيا ومن أيام هذه الحياة : « ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ » . . فهو وعد صادق لن يحيد . . وبالفاء التعقيبية يعبر كذلك . فالعذاب لم يتأخر :