سيد قطب
1906
في ظلال القرآن
« كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ : أَ لا تَتَّقُونَ ؟ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ . أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ؟ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ . أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ . وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . قالُوا : سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ . إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ . وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ » ! . . ( الشعراء : 123 - 138 ) فهؤلاء العتاة الجبارون الذين يبطشون بلا رحمة ؛ والذين أبطرتهم النعمة ؛ والذين يقيمون المصانع يرجون من ورائها الامتداد والخلود ! . . هؤلاء هم الذين واجههم هود - عليه السلام - هذه المواجهة . في شجاعة المؤمن واستعلائه وثقته واطمئنانه ؛ وفاصلهم هذه المفاصلة الحاسمة الكاملة - وهم قومه - وتحداهم أن يكيدوه بلا إمهال . وأن يفعلوا ما في وسعهم فلا يباليهم بحال ! لقد وقف هود - عليه السلام - هذه الوقفة الباهرة ، بعد ما بذل لقومه من النصح ما يملك ؛ وبعد أن تودد إليهم وهو يدعوهم غاية التودد . . ثم تبين له عنادهم وإصرارهم على محادة اللّه وعلى الاستهتار بالوعيد والجرأة على اللّه . . لقد وقف هود - عليه السلام - هذه الوقفة الباهرة لأنه يجد حقيقة ربه في نفسه ، فيوقن أن أولئك الجبارين العتاة المتمتعين المتبطرين إنما هم من الدواب ! وهو مستيقن أنه ما من دابة إلا وربه آخذ بناصيتها ؛ ففيم يحفل إذن هؤلاء الدواب ؟ ! وأن ربه هو الذي استخلفهم في الأرض ، وأعطاهم ما أعطاهم من نعمة ومال وقوة وبنين وقدرة على التصنيع والتعدين ! للابتلاء لا لمطلق العطاء . وأن ربه يملك أن يذهب بهم ويستخلف غيرهم إذا شاء ، ولا يضرونه شيئا ، ولا يردون له قضاء . . ففيم إذن يهوله شيء مما هم فيه ، وربه هو الذي يعطي ويسلب حين يشاء كيف شاء ؟ . . إن أصحاب الدعوة إلى اللّه لا بد أن يجدوا حقيقة ربهم في نفوسهم على هذا النحو حتى يملكوا أن يقفوا بإيمانهم في استعلاء أمام قوى الجاهلية الطاغية من حولهم . . أمام القوة المادية . وقوة الصناعة . وقوة المال . وقوة العلم البشري . وقوة الأنظمة والأجهزة والتجارب والخبرات . . وهم مستيقنون أن ربهم آخذ بناصية كل دابة ؛ وأن الناس - كل الناس - إن هم إلا دواب من الدواب ! وذات يوم لا بد أن يقف أصحاب الدعوة من قومهم موقف المفاصلة الكاملة ؛ فإذا القوم الواحد أمتان مختلفتان . . أمة تدين للّه وحده وترفض الدينونة لسواه . وأمة تتخذ من دون اللّه أربابا ، وتحاد اللّه ! ويوم تتم هذه المفاصلة يتحقق وعد اللّه بالنصر لأوليائه ، والتدمير على أعدائه - في صورة من الصور التي قد تخطر وقد لا تخطر على البال - ففي تاريخ الدعوة إلى اللّه على مدار التاريخ ! لم يفصل اللّه بين أوليائه وأعدائه إلا بعد أن فاصل أولياؤه أعداءه على أساس العقيدة فاختاروا اللّه وحده . . وكانوا هم حزب اللّه الذين لا يعتمدون على غيره والذين لا يجدون لهم ناصرا سواه . وحسبنا هذه الوقفات مع إلهامات قصة هود وعاد . لنتابع بعدها سياق السورة مع قصة صالح وثمود . « وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً . قالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ . هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها . فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ، إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ » . . إنها الكلمة التي لا تتغير :