سيد قطب

2426

في ظلال القرآن

استعداد لتؤدي دورها ؛ ولتتساند مع الخلايا الأخرى في العمليات المشتركة ؛ ولتؤتي أقصى ما تملكه ، وتبذل آخر ما تنطوي عليه ؛ وتصل إلى أكمل ما هو مقدور لها وما هي مهيأة له من الكمال . والأمة التي تقوم على دعوة اللّه في حاجة إلى استيقاظ كل خلاياها ، واحتشاد كل قواها ، وتوفز كل استعدادها ، وتجمع كل طاقاتها ، كي يتم نموها ، ويكمل نضجها ، وتتهيأ بذلك لحمل الأمانة الضخمة والقيام عليها . والنصر السريع الذي لا يكلف عناء ، والذي يتنزل هينا لينا على القاعدين المستريحين ، يعطل تلك الطاقات عن الظهور ، لأنه لا يحفزها ولا يدعوها . وذلك فوق أن النصر السريع الهين اللين سهل فقدانه وضياعه . أولا لأنه رخيص الثمن لم تبذل فيه تضحيات عزيزة . وثانيا لأن الذين نالوه لم تدرب قواهم على الاحتفاظ به ولم تشحذ طاقاتهم وتحشد لكسبه . فهي لا تتحفز ولا تحتشد للدفاع عنه . وهناك التربية الوجدانية والدربة العملية تلك التي تنشأ من النصر والهزيمة ، والكر والفر ، والقوة والضعف والتقدم والتقهقر . ومن المشاعر المصاحبة لها . . من الأمل والألم . ومن الفرح والغم ، ومن الاطمئنان والقلق . ومن الشعور بالضعف والشعور بالقوة . . ومعها التجمع والفناء في العقيدة والجماعة والتنسيق بين الاتجاهات في ثنايا المعركة وقبلها وبعدها وكشف نقط الضعف ونقط القوة ، وتدبير الأمور في جميع الحالات . . وكلها ضرورية للأمة التي تحمل الدعوة وتقوم عليها وعلى الناس . من أجل هذا كله ، ومن أجل غيره مما يعلمه اللّه . . جعل اللّه دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم ؛ ولم يجعله لقية تهبط عليهم من السماء بلا عناء « 1 » . والنصر قد يبطئ على الذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا : ربنا اللّه . فيكون هذا الإبطاء لحكمة يريدها اللّه . قد يبطئ النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها ، ولم يتم بعد تمامها ، ولم تحشد بعد طاقاتها ، ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات . فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكا لعدم قدرتها على حمايته طويلا ! وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة ، وآخر ما تملكه من رصيد ، فلا تستبقي عزيزا ولا غاليا ، لا تبذله هينا رخيصا في سبيل اللّه . وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها ، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من اللّه

--> ( 1 ) والإسلام مع هذا لا يعد القتال غاية لذاته ، ولا يأذن به إلا لغاية أكبر من المهادنة والموادعة . . إن السلام هو غاية الإسلام كما تقرر آيات أخرى كثيرة في القرآن . ولكنه السلام الذي لا اعتداء فيه ولا ظلم ولا بغي ولا عدوان . أما حيث يقع البغي والعدوان على أي مقوم من مقومات الإنسانية الفاضلة كحرية العقيدة وحرية العبادة ، والعدل في الحكم ، والعدل في الجزاء ، والعدل في توزيع المغانم والمغارم والحقوق والواجبات ، واستقامة السلوك الفردي والجماعي على حدود اللّه . . أما حيث يقع البغي على أي مقوم من هذه المقومات في أية صورة من الصور ، سواء وقع من فرد على فرد ، أو من فرد على جماعة ، أو من جماعة على فرد أو جماعة ، أو من دولة ، على دولة . فالإسلام لا يرضى حينئذ بسلام يقوم على هذا العدوان . فليس السلام في الإسلام هو المهادنة والموادعة إنما هو تحقق الخير والعدل على النهج الذي رسمه اللّه للعباد . . ( يراجع بتوسع كتاب السلام العالمي والإسلام ) .