سيد قطب

2427

في ظلال القرآن

لا تكفل النصر . إنما يتنزل النصر من عند اللّه عندما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل الأمر بعدها إلى اللّه . وقد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها باللّه ، وهي تعاني وتتألم وتبذل ؛ ولا تجد لها سندا إلا اللّه ، ولا متوجها إلا إليه وحده في الضراء . وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عندما يتأذن به اللّه . فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها به اللّه . وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها للّه ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تحققه ، أو تقاتل حمية لذاتها ، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها . واللّه يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله ، بريئا من المشاعر الأخرى التي تلابسه . وقد سئل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل شجاعة والرجل يقاتل ليرى . فأيها في سبيل اللّه . فقال : « من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه « 1 » » . كما قد يبطئ النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير ، يريد اللّه أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصا ، ويذهب وحده هالكا ، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار ! وقد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفة للناس تماما . فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصارا من المخدوعين فيه ، لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله ؛ فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة . فيشاء اللّه أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريا للناس ، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية ! وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة . فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار . فيظل الصراع قائما حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر ، ولاستبقائه ! من أجل هذا كله ، ومن أجل غيره مما يعلمه اللّه ، قد يبطئ النصر ، فتتضاعف التضحيات ، وتتضاعف الآلام . مع دفاع اللّه عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية . وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن اللّه به بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه ، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه : « وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ ، وَآتَوُا الزَّكاةَ ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ؛ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ » . . فوعد اللّه المؤكد الوثيق المتحقق الذي لا يتخلف هو أن ينصر من ينصره . . فمن هم هؤلاء الذين ينصرون اللّه ، فيستحقون نصر اللّه ، القوي العزيز الذي لا يهزم من يتولاه ؟ إنهم هؤلاء : « الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ » . . فحققنا لهم النصر ، وثبتنا لهم الأمر . . « أَقامُوا الصَّلاةَ » . . فعبدوا اللّه ووثقوا صلتهم به ، واتجهوا إليه طائعين خاضعين مستسلمين . . « وَآتَوُا الزَّكاةَ » . . فأدوا حق المال ، وانتصروا على شح النفس ، وتطهروا من الحرص ، وغلبوا وسوسة الشيطان ، وسدوا خلة الجماعة ، وكفلوا الضعاف فيها والمحاويج ، وحققوا لها صفة الجسم الحي - كما قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » . . « وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ » . . فدعوا إلى الخير والصلاح ، ودفعوا إليه الناس . . « وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ » . . فقاوموا

--> ( 1 ) رواه الشيخان .