سيد قطب
1889
في ظلال القرآن
واللون واللغة . . فكلها مما يشترك فيه الإنسان مع البهيمة . وليس هناك إلا شؤون العقل والقلب التي يختص بها الإنسان دون البهيمة ! * كذلك تتعلق العقيدة بعنصر آخر يتميز به الإنسان عن البهائم . . هو عنصر الاختيار والإرادة ، فكل فرد على حدة يملك أن يختار عقيدته بمجرد أن يبلغ سن الرشد ؛ وبذلك يقرر نوع المجتمع الذي يريد أن يعيش فيه مختارا ؛ ونوع المنهج الاعتقادي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والخلقي الذي يريد - بكامل حريته - أن يتمذهب به ويعيش . . ولكن هذا الفرد لا يملك أن يقرر دمه ونسبه ولونه وقومه وجنسه . كما لا يملك أن يقرر الأرض التي يحب أن يولد فيها ، ولغة الأم التي يريد أن ينشأ عليها . . إلى آخر تلك المقومات التي تقام عليها مجتمعات الجاهلية ! . . إن هذه الأمور كلها يقضى فيها قبل مجيئه إلى هذه الأرض ، ولا يؤخذ له فيها مشورة ولا رأي ؛ إنما هي تفرض عليه فرضا سواء أحب أم كره ! فإذا تعلق مصيره في الدنيا والآخرة معا - أو حتى في الدنيا وحدها - بمثل هذه المقومات التي تفرض عليه فرضا لم يكن مختارا ولا مريدا ؛ وبذلك تسلب إنسانيته مقوما من أخص مقوماتها ؛ وتهدر قاعدة أساسية من قواعد تكريم الإنسان ؛ بل من قواعد تركيبه وتكوينه الإنساني المميز له من سائر الخلائق ! ومن أجل المحافظة على خصائص الإنسان الذاتية ، والمحافظة على الكرامة التي وهبها اللّه له متمشية مع تلك الخصائص ؛ يجعل الإسلام العقيدة - التي يملك كل فرد اختيارها بشخصه منذ أن يبلغ سن الرشد - هي الآصرة التي يقوم عليها التجمع الإنساني في المجتمع الإسلامي ؛ والتي يتقرر على أساسها مصير كل فرد بإرادته الذاتية . وينفي أن تكون تلك العوامل الاضطرارية ، التي لا يدله فيها ، ولا يملك كذلك تغييرها باختياره ، هي آصرة التجمع التي تقرر مصيره طول حياته . * ومن شأن قيام المجتمع على آصرة العقيدة - وعدم قيامه على العوامل الاضطرارية الأخرى - أن ينشئ مجتمعا إنسانيا عالميا مفتوحا ؛ يجيء إليه الأفراد من شتى الأجناس والألوان واللغات والأقوام والدماء والأنساب والديار والأوطان بكامل حريتهم واختيارهم الذاتي ؛ لا يصدهم عنه صاد ، ولا يقوم في وجوههم حاجز ، ولا تقف دونه حدود مصطنعة ، خارجة عن خصائص الإنسان العليا . وأن تصب في هذا المجتمع كل الطاقات والخواص البشرية ، وتجتمع في صعيد واحد ، لتنشئ « حضارة إنسانية » تنتفع بكل خصائص الأجناس البشرية ؛ ولا تغلق دون كفاية واحدة ، بسبب من اللون أو العنصر أو النسب والأرض . . « ولقد كان من النتائج الواقعية الباهرة للمنهج الإسلامي في هذه القضية ؛ ولإقامة التجمع الإسلامي على آصرة العقيدة وحدها ، دون أواصر الجنس والأرض واللون واللغة والمصالح الأرضية القريبة ، والحدود الإقليمية السخيفة ! ولإبراز « خصائص الإنسان » في هذا التجمع وتنميتها وإعلائها ، دون الصفات المشتركة بينه وبين الحيوان . . كان من النتائج الواقعية الباهرة لهذا المنهج أن أصبح المجتمع المسلم مجتمعا مفتوحا لجميع الأجناس والألوان واللغات ، بلا عائق من هذه العوائق الحيوانية السخيفة ! وأن صبت في بوتقة المجتمع الإسلامي خصائص الأجناس البشرية وكفاياتها ، وانصهرت في هذه البوتقة وتمازجت ، وأنشأت مركبا عضويا فائقا في فترة تعد نسبيا قصيرة . وصنعت هذه الكتلة العجيبة المتجانسة المتناسقة حضارة رائعة ضخمة ، تحوي خلاصة الطاقة البشرية في زمانها مجتمعة ، على بعد المسافات وبطء طرق الاتصال في ذلك الزمان . « لقد اجتمع في المجتمع الإسلامي المتفوق : العربي والفارسي والشامي والمصري والمغربي والتركي والصيني