سيد قطب
1890
في ظلال القرآن
والهندي والروماني والإغريقي والأندونسي والإفريقي . . . إلى آخر الأقوام والأجناس . . وتجمعت خصائصهم كلها لتعمل متمازجة متعاونة متناسقة في بناء المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية . ولم تكن هذه الحضارة الضخمة يوما ما « عربية » إنما كانت دائما « إسلامية » ولم تكن يوما ما « قومية » إنما كانت دائما « عقيدية » . « ولقد اجتمعوا كلهم على قدم المساواة ، وبآصرة الحب . وبشعور التطلع إلى وجهة واحدة . فبذلوا جميعا أقصى كفاياتهم ، وأبرزوا أعمق خصائص أجناسهم ، وصبوا خلاصة تجاربهم الشخصية والقومية والتاريخية في بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعا على قدم المساواة ، وتجمع فيه بينهم آصرة تتعلق بربهم الواحد ، وتبرز فيها إنسانيتهم وحدها بلا عائق . وهذا ما لم يجتمع قط لأي تجمع آخر على مدار التاريخ ! « لقد كان أشهر تجمع بشري في التاريخ القديم هو تجمع الإمبراطورية الرومانية مثلا . فقد جمعت بالفعل أجناسا متعددة ، ولغات متعددة ، وألوانا متعددة ، وأمزجة متعددة . ولكن هذا كله لم يقم على « آصرة إنسانية » ولم يتمثل في قيمة عليا كالعقيدة . . لقد كان هناك تجمع طبقي على أساس طبقة الأشراف وطبقة العبيد في الإمبراطورية كلها من ناحية ؛ وتجمع عنصري على أساس سيادة الجنس الروماني - بصفة عامة - وعبودية سائر الأجناس الأخرى . ومن ثم لم يرتفع قط إلى أفق التجمع الإسلامي ؛ ولم يؤت الثمار التي آتاها التجمع الإسلامي . « كذلك قامت في التاريخ الحديث تجمعات أخرى . . تجمع الإمبراطورية البريطانية مثلا . . ولكنه كان كالتجمع الروماني ، الذي هو وريثه ! تجمعا قوميا استغلاليا ، يقوم على أساس سيادة القومية الإنجليزية ، واستغلال المستعمرات التي تضمها الإمبراطورية . . ومثله الإمبراطوريات الأوربية كلها . . الإمبراطورية الأسبانية والبرتغالية في وقت ما ، والإمبراطورية الفرنسية . . كلها في ذلك المستوي الهابط البشع المقيت ! وأرادت الشيوعية أن تقيم تجمعا من نوع آخر ، يتخطى حواجز الجنس والقوم والأرض واللغة واللون . ولكنها لم تقمه على قاعدة « إنسانية » عامة ، إنما أقامته على القاعدة « الطبقية » . فكان هذا التجمع هو الوجه الآخر للتجمع الروماني القديم . . هذا تجمع على قاعدة طبقة « الأشراف » وذلك تجمع على قاعدة طبقة « الصعاليك » ( البروليتريا ) ؛ والعاطفة التي تسوده هي عاطفة الحقد الأسود على سائر الطبقات الأخرى ! وما كان لمثل هذا التجمع الصغير البغيض أن يثمر إلا أسوأ ما في الكائن الإنساني . . فهو ابتداء قائم على أساس إبراز الصفات الحيوانية وحدها وتنميتها وتمكينها . باعتبار أن « المطالب الأساسية » للإنسان هي « الطعام والمسكن والجنس » - وهي مطالب الحيوان الأولية - وباعتبار أن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام ! ! « لقد تفرد الإسلام بمنهجه الرباني في إبراز أخص خصائص الإنسان وتنميتها وإعلائها في بناء المجتمع الإنساني . . وما يزال متفردا . . والذين يعدلون عنه إلى أي منهج آخر ، يقوم على أية قاعدة أخرى ، من القوم أو الجنس أو الأرض أو الطبقة . . إلى آخر هذا النتن السخيف ، هم أعداء « الإنسان » حقا ! هم الذين لا يريدون لهذا الإنسان أن يتفرد في هذا الكون بخصائصه العليا كما فطره اللّه ؛ ولا يريدون لمجتمعه أن ينتفع بأقصى كفايات أجناسه وخصائصها وتجاربها في امتزاج وتناسق « 1 » » . .
--> ( 1 ) مقتطفات من فصل : « نشأة المجتمع المسلم وخصائصه » من كتاب : « معالم في الطريق » . « دار الشروق » .