سيد قطب
2374
في ظلال القرآن
الناموس ، ووحدة الإرادة التي أوجدته ، ووحدة الخالق المدبر لهذا الكون المنظم المنسق ، الذي لا فساد في تكوينه ، ولا خلل في سيره : « فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ » . . وهم يصفونه بأن له شركاء . تنزه اللّه المتعالي المسيطر : « رَبِّ الْعَرْشِ » والعرش رمز الملك والسيطرة والاستعلاء . تنزه عما يقولون والوجود كله بنظامه وسلامته من الخلل والفساد يكذبهم فيما يقولون . « لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ » . . ومتى كان المسيطر على الوجود كله يسأل ؛ ومن ذا الذي يسأله ؛ وهو القاهر فوق عباده ، وإرادته طليقة لا يحدها قيد من إرادة أخرى ، ولا حتى من الناموس الذي ترتضيه هي وتتخذه حاكما لنظام الوجود ؟ والسؤال والحساب إنما يكونان بناء على حدود ترسم ومقياس يوضع . والإرادة الطليقة هي التي تضع الحدود والمقاييس ، ولا تتقيد بما تضع للكون من الحدود والمقاييس إلا كما تريد . والخلق مأخوذون بما تضع لهم من تلك الحدود فهم يسألون . وإن الخلق ليستبد بهم الغرور أحيانا فيسألون سؤال المنكر المتعجب : ولما ذا صنع اللّه كذا . وما الحكمة في هذا الصنيع ؟ وكأنما يريدون ليقولوا : إنهم لا يجدون الحكمة في ذلك الصنيع ! وهم يتجاوزون في هذا حدود الأدب الواجب في حق المعبود ، كما يتجاوزون حدود الإدراك الإنساني القاصر الذي لا يعرف العلل والأسباب والغايات وهو محصور في حيزه المحدود . . إن الذي يعلم كل شيء ، ويدبر كل شيء ، ويسيطر على كل شيء ، هو الذي يقدر ويدبر ويحكم . « لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ » . . وإلى جانب الدليل الكوني المستمد من طبيعة الوجود وواقعه يسألهم عن الدليل النقلي الذي يستندون إليه في دعوى الشرك التي لا تعتمد على دليل : « أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ؟ قُلْ : هاتُوا بُرْهانَكُمْ . هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي » . فهذا هو القرآن يشتمل على ذكر المعاصرين للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وهناك ذكر من سبقه من الرسل . وليس فيما جاءوا به ذكر الشركاء . فكل الديانات قائمة على عقيدة التوحيد . فمن أين جاء المشركون بدعوى الشرك التي تنقضها طبيعة الكون ، ولا يوجد من الكتب السابقة عليها دليل : « بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ » . . « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ » . . فالتوحيد هو قاعدة العقيدة منذ أن بعث اللّه الرسل للناس . لا تبديل فيها ولا تحويل . توحيد الإله وتوحيد المعبود . فلا انفصال بين الألوهية والربوبية ؛ ولا مجال للشرك في الألوهية ولا في العبادة . . قاعدة ثابتة ثبوت النواميس الكونية ، متصلة بهذه النواميس وهي واحدة منها . ثم يعرض السياق لدعوى المشركين من العرب أن للّه ولدا . وهي إحدى مقولات الجاهلية السخيفة : « وَقالُوا : اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً . سُبْحانَهُ ! بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ . يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ، وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ، وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ . وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ :