سيد قطب

2375

في ظلال القرآن

إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ . كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ » . . ودعوى البنوة للّه - سبحانه - دعوى اتخذت لها عدة صور في الجاهليات المختلفة . فقد عرفت عند مشركي العرب في صورة بنوة الملائكة للّه . وعند مشركي اليهود في صورة بنوة العزير للّه . وعند مشركي النصارى في صورة بنوة المسيح للّه . . وكلها من انحرافات الجاهلية في شتى الصور والعصور . والمفهوم أن الذي يعنيه السياق هنا هو دعوى العرب في بنوة الملائكة . وهو يرد عليهم ببيان طبيعة الملائكة . فهم ليسوا بنات للّه - كما يزعمون - « بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ » عند اللّه . لا يقترحون عليه شيئا تأدبا وطاعة وإجلالا . إنما يعملون بأمره لا يناقشون . وعلم اللّه بهم محيط . ولا يتقدمون بالشفاعة إلا لمن ارتضاه اللّه ورضي أن يقبل الشفاعة فيه . وهم بطبيعتهم خائفون للّه مشفقون من خشيته - على قربهم وطهارتهم وطاعتهم التي لا استثناء فيها ولا انحراف عنها . وهم لا يدعون الألوهية قطعا . ولو ادعوها - جدلا - لكان جزاؤهم جزاء من يدعي الألوهية كائنا من كان ، وهو جهنم . فذلك جزاء الظالمين الذين يدعون هذه الدعوى الظالمة لكل حق ، ولكل أحد ، ولكل شيء في هذا الوجود . وكذلك تبدو دعوى المشركين في صورتها هذه واهية مستنكرة مستبعدة ، لا يدعيها أحد . ولو ادعاها لذاق جزاءها الأليم ! وكذلك يلمس الوجدان بمشهد الملائكة طائعين للّه ، مشفقين من خشيته . بينما المشركون يتطاولون ويدعون ! وعند هذا الحد من عرض الأدلة الكونية الشاهدة بالوحدة ؛ والأدلة النقلية النافية للتعدد ؛ والأدلة الوجدانية التي تلمس القلوب . . يجول السياق بالقلب البشري في مجالي الكون الضخمة ، ويد القدرة تدبره بحكمة ، وهم معرضون عن آياتها المعروضة على الأنظار والقلوب : « أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما . وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ؛ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ؟ وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ، وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ؛ وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ . وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ . كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ » . . إنها جولة في الكون المعروض للأنظار ، والقلوب غافلة عن آياته الكبار ، وفيها ما يحير اللب حين يتأمله بالبصيرة المفتوحة والقلب الواعي والحس اليقظ . وتقريره أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقتا ، مسألة جديرة بالتأمل ، كلما تقدمت النظريات الفلكية في محاولة تفسير الظواهر الكونية ، فحامت حول هذه الحقيقة التي أوردها القرآن الكريم منذ أكثر من ثلاث مائة وألف عام . فالنظرية القائمة اليوم هي أن المجموعات النجمية - كالمجموعة الشمسية المؤلفة من الشمس وتوابعها ومنها الأرض والقمر . . كانت سديما . ثم انفصلت وأخذت أشكالها الكروية وأن الأرض كانت قطعة من الشمس ثم انفصلت عنها وبردت . . ولكن هذه ليست سوى نظرية فلكية . تقوم اليوم وقد تنقض غدا . وتقوم نظرية أخرى تصلح لتفسير الظواهر الكونية بفرض آخر يتحول إلى نظرية . .