سيد قطب
2356
في ظلال القرآن
إذا سأل : « رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ؟ » كان الجواب : « كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى . وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ . وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى » ! ولقد أسرف من أعرض عن ذكر ربه . أسرف فألقى بالهدى من بين يديه وهو أنفس ثراء وذخر ، وأسرف في انفاق بصره في غير ما خلق له فلم يبصر من آيات اللّه شيئا . فلا جرم يعيش معيشة ضنكا ! ويحشر في يوم القيامة أعمى ! اتساق في التعبير . واتساق في التصوير . . هبوط من الجنة وشقاء وضلال ، يقابله عودة إلى الجنة ونجوة من الشقاء والضلال . وفسحة في الحياة يقابلها الضنك ، وهداية يقابلها العمى . . ويجيء هذا تعقيبا على قصة آدم - وهي قصة البشرية جميعا - فيبدأ الاستعراض في الجنة ، وينتهي في الجنة ، كما مر في سورة الأعراف ، مع الاختلاف في الصور الداخلة في الاستعراض هنا وهناك حسب اختلاف السياق . . فإذا انتهت هذه الجولة بطرفيها أخذ السياق في جولة حول مصارع الغابرين ؛ وهي أقرب في الزمان من القيامة ، وهي واقع تشهده العيون إن كانت القيامة غيبا لا تراه الأبصار : « أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ ؟ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى . وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى » . . وحين تجول العين والقلب في مصارع القرون . وحين تطالع العين آثارهم ومساكنهم عن كثب ، وحين يتملى الخيال الدور وقد خلت من أهلها الأول ؛ ويتصور شخوصهم الذاهبة ، وأشباحهم الهاربة ، وحركاتهم وسكناتهم ، وخواطرهم وأحلامهم ، وهمومهم وآمالهم . . حين يتأمل هذا الحشد من الأشباح والصور والانفعالات والمشاعر . . ثم يفتح عينه فلا يرى من ذلك كله شيئا إلا الفراغ والخواء . . عندئذ يستيقظ للهوة التي تفغر فاها لتبتلع الحاضر كما ابتلعت الغابر . وعندئذ يدرك يد القدرة التي أخذت القرون الأولى وهي قادرة على أن تأخذ ما يليها . وعندئذ يعي معنى الإنذار ، والعبرة أمامه معروضة للأنظار . فما لهؤلاء القوم لا يهتدون وفي مصارع القرون ما يهدي أولي الألباب ؟ : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى » ! ولولا أن اللّه وعدهم ألا يستأصلهم بعذاب الدنيا ، لحكمة عليا . لحل بهم ما حل بالقرون الأولى . ولكنها كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى أمهلهم إليه : « وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً ، وَأَجَلٌ مُسَمًّى » . وإذا كانوا مؤخرين إلى أجل ، ممهلين لا مهملين ، فلا عليك - يا محمد - منهم ولا مما أوتوه من زينة الحياة الدنيا ليكون ابتلاء لهم ، فإنما هي الفتنة ، وما أعطاكه اللّه إنعاما فهو خير مما أعطاهم ابتلاء : « فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها ، وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى . وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ، وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى . وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى » . . فاصبر على ما يقولون من كفر واستهزاء وجحود وإعراض ، ولا يضق صدرك بهم ، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات . واتجه إلى ربك . سبح بحمده قبل طلوع الشمس وقبل غروبها . في هدأة الصبح وهو يتنفس ويتفتح بالحياة ؛ وفي هدأة الغروب والشمس تودع ، والكون يغمض أجفانه ، وسبح بحمده فترات من