سيد قطب

2357

في ظلال القرآن

الليل والنهار . . كن موصولا باللّه على مدار اليوم . . « لَعَلَّكَ تَرْضى » . . إن التسبيح باللّه اتصال . والنفس التي تتصل تطمئن وترضى . ترضى وهي في ذلك الجوار الرضي ؛ وتطمئن وهي في ذلك الحمى الآمن . فالرضى ثمرة التسبيح والعبادة ، وهو وحده جزاء حاضر ينبت من داخل النفس ويترعرع في حنايا القلب . اتجه إلى ربك بالعبادة « وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ » من عرض الحياة الدنيا ، من زينة ومتاع ومال وأولاد وجاه وسلطان . « زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا » التي تطلعها كما يطلع النبات زهرته لامعة جذابة . والزهرة سريعة الذبول على ما بها من رواء وزواق . فإنما نمتعهم بها ابتلاء « لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ » فنكشف عن معادنهم ، بسلوكهم مع هذه النعمة وذلك المتاع . وهو متاع زائل كالزهرة سرعان ما تذبل « وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى » وهو رزق للنعمة لا للفتنة . رزق طيب خير باق لا يذبل ولا يخدع ولا يفتن . وما هي دعوة للزهد في طيبات الحياة ، ولكنها دعوة إلى الاعتزاز بالقيم الأصيلة الباقية وبالصلة باللّه والرضى به . فلا تتهاوى النفوس أمام زينة الثراء ، ولا تفقد اعتزازها بالقيم العليا ، وتبقى دائما تحس حرية الاستعلاء على الزخارف الباطلة التي تبهر الأنظار . . « وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ » . . فأول واجبات الرجل المسلم أن يحول بيته إلى بيت مسلم ؛ وأن يوجه أهله إلى أداء الفريضة التي تصلهم معه باللّه ، فتوحد اتجاههم العلوي في الحياة . وما أروح الحياة في ظلال بيت أهله كلهم يتجهون إلى اللّه . « وَاصْطَبِرْ عَلَيْها » . . على إقامتها كاملة ؛ وعلى تحقيق آثارها . إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر . وهذه هي آثارها الصحيحة . وهي في حاجة إلى اصطبار على البلوغ بالصلاة إلى الحد الذي تثمر فيه ثمارها هذه في المشاعر والسلوك . وإلا فما هي صلاة مقامة . إنما هي حركات وكلمات . هذه الصلاة والعبادة والاتجاه إلى اللّه هي تكاليفك واللّه لا ينال منها شيئا . فاللّه غني عنك وعن عبادة العباد : « لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ » إنما هي العبادة تستجيش وجدان التقوى « وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى » . فالإنسان هو الرابح بالعبادة في دنياه وأخراه . يعبد فيرضى ويطمئن ويستريح . ويعبد فيجزى بعد ذلك الجزاء الأوفى . واللّه غني عن العالمين . وقرب ختام السورة يعود بالحديث إلى أولئك الكبراء الممتعين المكذبين ، الذين يطلبون إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بعد ما جاءهم بهذا القرآن أن يأتيهم بآية من ربه : هذا القرآن الذي يبين ويوضح ما جاءت به الرسالات قبله : « وَقالُوا : لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ . أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى ؟ » . فليس إلا التعنت وإلا المكابرة والرغبة في الاقتراح هي التي تملي مثل هذا الاقتراح وإلا فآية القرآن كافية . وهو يصل حاضر الرسالة بماضيها ، ويوحد طبيعتها واتجاهها ، ويبين ويفصل ما أجمل في الصحف الأولى . ولقد أعذر اللّه للمكذبين فأرسل إليهم خاتم المرسلين - صلى اللّه عليه وسلم - « وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا : رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا ، فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى » . .