سيد قطب

1883

في ظلال القرآن

في الشرائع المصاحبة للعقيدة الواحدة - وأن ملاحظة ذلك التطور في العقائد الجاهلية لا يدل على أن الناس صاروا إلى التوحيد بناء على تطور في أصل العقيدة . إنما يدل على أن عقيدة التوحيد على يد كل رسول كانت تترك رواسب في الأجيال التالية - حتى بعد انحراف الأجيال عنها - ترقي عقائدهم الجاهلية ذاتها ؛ حتى تصير أقرب إلى أصل التوحيد الرباني . أما عقيدة التوحيد في أصلها فهي أقدم في تاريخ البشرية من العقائد الوثنية جميعا ! وقد وجدت هكذا كاملة منذ وجدت ، لأنها ليست نابعة من أفكار البشر ومعلوماتهم المترقية ؛ إنما هي آتية لهم من عند اللّه سبحانه . فهي حق منذ اللحظة الأولى ، وهي كاملة منذ اللحظة الأولى . . هذا ما يقرره القرآن الكريم ؛ ويقوم عليه التصور الإسلامي . فلا مجال - إذن - لباحث مسلم - وبخاصة إذا كان يدافع عن الإسلام ! - أن يعدل عن هذا الذي يقرره القرآن الكريم في وضوح حاسم ، إلى شيء مما تخبط فيه نظريات علم الأديان المقارنة . تلك النظريات النابعة من منهج موجه كما أسلفنا ! ومع أننا هنا - في ظلال القرآن - لا نناقش الأخطاء والمزالق في الكتابات التي تكتب عن الإسلام - إذ أن مجال هذه المناقشة بحث آخر مستقل - . . ولكننا نلم بنموذج واحد ، نعرضه في مواجهة المنهج القرآني والتقريرات القرآنية في هذه القضية . . كتب الأستاذ العقاد في كتابه : « اللّه » في فصل أصل العقيدة : . . « ترقى الإنسان في العقائد . كما ترقى في العلوم والصناعات . « فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى ، وكذلك كانت علومه وصناعاته . فليست أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الديانات والعبادات ، وليست عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى . « وينبغي أن تكون محاولات الإنسان في سبيل الدين أشق وأطول من محاولاته في سبيل العلوم والصناعات . « لأن حقيقة الكون الكبرى أشق مطلبا وأطول طريقا من حقيقة هذه الأشياء المتفرقة التي يعالجها العلم تارة والصناعة تارة أخرى . « وقد جهل الناس شأن الشمس الساطعة ، وهي أظهر ما تراه العيون وتحسه الأبدان ، ولبثوا إلى زمن قريب يقولون بدورانها حول الأرض ، ويفسرون حركاتها وعوارضها كما تفسر الألغاز والأحلام . ولم يخطر لأحد أن ينكر وجود الشمس لأن العقول كانت في ظلام من أمرها فوق ظلام . ولعلها لا تزال . « فالرجوع إلى أصول الأديان في عصور الجاهلية الأولى لا يدل على بطلان التدين ، ولا على أنها تبحث عن محال . وكل ما يدل عليه أن الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة شاملة في عصر واحد ؛ وأن الناس يستعدون لعرفانها عصرا بعد عصر ، وطورا بعد طور . وأسلوبا بعد أسلوب ، كما يستعدون لعرفان الحقائق الصغرى ، بل على نحو أصعب وأعجب من استعدادهم لعرفان هذه الحقائق التي يحيط بها العقل ويتناولها الحس والعيان . « وقد أسفر علم المقابلة بين الأديان عن كثير من الضلالات والأساطير التي آمن بها الإنسان الأول ، ولا تزال لها بقية شائعة بين القبائل البدائية ، أو بين أمم الحضارة العريقة . ولم يكن من المنظور أن يسفر هذا العلم عن شيء غير ذلك ، ولا أن تكون الديانات الأولى على غير ما كانت عليه من الضلالة والجهالة . فهذه هي وحدها