سيد قطب
1884
في ظلال القرآن
النتيجة المعقولة التي لا يترقب العقل نتيجة غيرها . وليس في هذه النتيجة جديد يستغفر به العلماء ، أو يبنون عليه جديدا في الحكم على جوهر الدين . فإن العالم الذي يخطر له أن يبحث في الأديان البدائية ليثبت أن الأولين قد عرفوا الحقيقة الكونية الكاملة منزهة عن شوائب السخف والغباء ، إنما يبحث عن محال . . . » . كذلك كتب في فصل : « أطوار العقيدة الإلهية » في الكتاب نفسه : « يعرف علماء المقابلة بين الأديان ثلاثة أطوار عامة مرت بها الأمم البدائية في اعتقادها بالآلهة والأرباب : وهي دور التعدد Polytheism ودور التمييز والترجيح Henotheism ودور الوحدانية Monotheism « ففي دور التعدد كانت القبائل الأولى تتخذ لها أربابا تعد بالعشرات ، وقد تتجاوز العشرات إلى المئات . ويوشك في هذا الدور أن يكون لكل أسرة كبيرة رب تعبده ، أو تعويذة تنوب عن الرب في الحضور ، وتقبل الصلوات والقرابين . « وفي الدور الثاني وهو دور التمييز والترجيح تبقي الأرباب على كثرتها ، ويأخذ رب منها في البروز والرجحان على سائرها . إما لأنه رب القبيلة الكبرى التي تدين لها القبائل الأخرى بالزعامة ، وتعتمد عليها في شؤون الدفاع والمعاش ، وإما لأنه يحقق لعباده جميعا مطلبا أعظم وألزم من سائر المطالب التي تحققها الأرباب المختلفة ، كأن يكون رب المطر والإقليم في حاجة إليه ، أو رب الزوابع والرياح وهي موضع رجاء أو خشية يعلو على موضع الرجاء والخشية عند الأرباب القائمة على تسيير غيرها من العناصر الطبيعية . « وفي الدور الثالث تتوحد الأمة ، فتتجمع إلى عبادة واحدة تؤلف بينها مع تعدد الأرباب في كل إقليم من الأقاليم المتفرقة . ويحدث في هذا الدور أن تفرض الأمة عبادتها على غيرها كما تفرض عليها سيادة تاجها وصاحب عرشها ، ويحدث أيضا أن ترضى من إله الأمة المغلوبة بالخضوع لإلها ، مع بقائه وبقاء عبادته كبقاء التابع للمتبوع ، والحاشية للملك المطاع . « ولا تصل الأمة إلى هذه الوحدانية الناقصة إلّا بعد أطوار من الحضارة تشيع فيها المعرفة ، ويتعذّر فيها على العقل قبول الخرافات التي كانت سائغة في عقول الهمج وقبائل الجاهلية ، فتصف اللّه بما هو أقرب إلى الكمال والقداسة من صفات الآلهة المتعددة في أطوارها السابقة ، وتقترن العبادة بالتفكير في أسرار الكون وعلاقتها بإرادة اللّه وحكمته العالية ، وكثيرا ما يتفرد الإله الأكبر في هذه الأمم بالربوبية الحقة ، وتنزل الأرباب الأخرى إلى مرتبة الملائكة أو الأرباب المطرودين من الحظيرة السماوية . . . » إلخ . وواضح سواء من رأي الكاتب نفسه أو مما نقله ملخصا من آراء علماء الدين المقارن أن البشر هم الذين ينشئون عقائدهم بأنفسهم ؛ ومن ثم تظهر فيها أطوارهم العقلية والعلمية والحضارية والسياسية . وأن التطور من التعدد إلى التثنية إلى التوحيد تطور زمني مطرد على الإجمال . . وهذا واضح من الجملة الأولى في تقديم المؤلف لكتابه : « موضوع هذا الكتاب نشأة العقيدة الإلهية ، منذ أن اتخذ الإنسان ربا ، إلى أن عرف اللّه الأحد ، واهتدى إلى نزاهة التوحيد » . . والذي لا شك فيه أن اللّه سبحانه يقرر في كتابه الكريم ، تقريرا واضحا جازما ، شيئا آخر غير ما يقرره صاحب كتاب : « اللّه » متأثرا فيه بمنهج علماء الأديان المقارنة . . وأن الذي يقرره اللّه - سبحانه - أن آدم