سيد قطب

1882

في ظلال القرآن

إن قوم نوح - عليه السلام - هؤلاء الذين شهدنا مدى جاهليتهم ، ومدى إصرارهم على باطلهم ، ومدى استنكارهم لدعوة الإسلام الخالص التي حملها نوح - عليه السلام - إليهم ، وخلاصتها : التوحيد الخالص الذي يفرد اللّه - سبحانه - بالدينونة والعبودية ؛ ولا يجعل لأحد معه صفة الربوبية . . إن قوم نوح هؤلاء . . هم ذرية آدم . . وآدم - كما نعلم من قصته في سورة الأعراف من قبل - وفي سورة البقرة كذلك - قد هبط إلى الأرض ليقوم بمهمة الخلافة فيها - وهي المهمة التي خلقه اللّه لها وروده بالكفايات والاستعدادات اللازمة لها - بعد أن علمه ربه كيف يتوب من الزلة التي زلها ، وكيف تلقى من ربه كلمات فتاب عليه بها . وكيف أخذ عليه ربه العهد والميثاق - هو وزوجه وبنوه - أن « يتبع » ما يأتيه من هدى اللّه ، ولا يتبع الشيطان وهو عدوه وعدو بنيه إلى يوم الدين . وإذن فقد هبط آدم إلى الأرض مسلما للّه متبعا هداه . . وما من شك أنه علم بنيه الإسلام جيلا بعد جيل ؛ وأن الإسلام كان هو أول عقيدة عرفتها البشرية في الأرض ؛ حيث لم تكن معها عقيدة أخرى ! فإذا نحن رأينا قوم نوح - وهم من ذرية آدم بعد أجيال لا يعلم عددها إلا اللّه - قد صاروا إلى هذه الجاهلية - التي وصفتها القصة في هذه السورة - فلنا أن نجزم أن هذه الجاهلية طارئة على البشرية بوثنيتها وأساطيرها وخرافاتها وأصنامها وتصوراتها وتقاليدها جميعا . وأنها انحرفت عن الإسلام إليها بفعل الشيطان المسلط على بني آدم ؛ وبفعل الثغرات الطبيعية في النفس البشرية . تلك الثغرات التي ينفذ منها عدو اللّه وعدو الناس ، كلما تراخوا عن الاستمساك بهدى اللّه ، واتباعه وحده ، وعدم اتباع غيره معه في كبيرة ولا صغيرة . . ولقد خلق اللّه الإنسان ومنحه قدرا من الاختيار - هو مناط الابتلاء - وبهذا القدر يملك أن يستمسك بهدى اللّه وحده فلا يكون لعدوه من سلطان عليه ، كما يملك أن ينحرف - ولو قيد شعرة - عن هدى اللّه إلى تعاليم غيره ؛ فيجتاله الشيطان حتى يقذف به - بعد أشواط - إلى مثل تلك الجاهلية الكالحة التي انتهت إليها ذراري آدم - النبي المسلم - بعد تلك الأجيال التي لا يعلمها إلا اللّه . وهذه الحقيقة . . حقيقة أن أول عقيدة عرفت في الأرض هي الإسلام القائم على توحيد الدينونة والربوبية والقوامة للّه وحده . . تقودنا إلى رفض كل ما يخبط فيه من يسمونهم « علماء الأديان المقارنة » وغيرهم من التطوريين الذين يتحدثون عن التوحيد بوصفه طورا متأخرا من أطوار العقيدة . سبقته أطوار شتى من التعدد والتثنية للآلهة . ومن تأليه القوى الطبيعية وتأليه الأرواح ، وتأليه الشموس والكواكب . . إلى آخر ما تخبط فيه هذه « البحوث » التي تقوم ابتداء على منهج موجه بعوامل تاريخية ونفسية وسياسية معينة ؛ يهدف إلى تحطيم قاعدة الأديان السماوية والوحي الإلهي والرسالات من عند اللّه وإثبات أن الأديان من صنع البشر ؛ وأنها من ثم تطورت بتطور الفكر البشري على مدار الزمان ! وينزلق بعض من يكتبون عن الإسلام مدافعين ؛ فيتابعون تلك النظريات التي يقررها الباحثون في تاريخ الأديان - وفق ذلك المنهج الموجه ! - من حيث لا يشعرون ! وبينما هم يدافعون عن الإسلام متحمسين يحطمون أصل الاعتقاد الإسلامي الذي يقرره القرآن الكريم في وضوح حاسم . حين يقرر أن آدم - عليه السلام - هبط إلى الأرض بعقيدة الإسلام . وأن نوحا - عليه السلام - واجه ذراري آدم الذين اجتالهم الشيطان عن الإسلام إلى الجاهلية الوثنية بذلك الإسلام نفسه . . القائم على التوحيد المطلق . . وأن الدورة تجددت بعد نوح فخرج الناس من الإسلام إلى الجاهلية ؛ وأن الرسل جميعا أرسلوا بعد ذلك بالإسلام . . القائم على التوحيد المطلق . . وأنه لم يكن قط تطور في العقيدة السماوية في أصل الاعتقاد - إنما كان الترقي والتركيب والتوسع