سيد قطب

1881

في ظلال القرآن

* وحقيقة الرابطة التي تربط بين فرد وفرد وبين جيل وجيل . . إنها العقيدة الواحدة التي تربط المؤمنين كلهم في إله واحد ورب واحد يلتقون في الدينونة له بلا منازع ولا شريك : * * * وبعد . . أكان الطوفان عاما في الأرض ؟ أم إنه كان في تخوم الأرض التي بعث فيها نوح ؟ وأين كانت هذه الأرض ؟ وأين تخومها في العالم القديم وفي العالم الحديث ؟ أسئلة لا جواب عليها إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا ؛ وإلا الإسرائيليات التي لا تستند إلى دليل صحيح . . وليس لها بعد ذلك قيمة في تحقيق أهداف القصص القرآني في كثير ولا قليل . ولكن هذا لا يمنع من القول بأن ظاهر النصوص القرآنية يلهم أن قوم نوح كانوا هم مجموع البشرية في ذلك الزمان . وأن الأرض التي يسكنونها كانت هي الأرض المعمورة في ذلك الحين . وأن الطوفان قد عم هذه الرقعة ، وقضى على جميع الخلائق التي تقطنها - فيما عدا ركب السفينة الناجين . وهذا حسبنا في إدراك طبيعة ذلك الحادث الكوني الذي جاءنا خبره من المصدر الوحيد الوثيق عن ذلك العهد السحيق ، الذي لا يعرف « التاريخ » عنه شيئا . وإلا فيومها أين كان « التاريخ » ؟ ! إن التاريخ مولود حدث لم يسجل من أحداث البشرية إلا القليل ! وكل ما سجله قابل للخطإ والصواب ، والصدق والكذب ، والتجريح والتعديل ! وما ينبغي قط أن يستفتى ذات يوم في شأن جاءنا به الخبر الصادق . ومجرد استفتائه في مثل هذا الشأن قلب للأوضاع ، وانتكاسة لا تصيب عقلا قد استقرت فيه حقيقة هذا الدين ! ولقد حفلت أساطير شتى الشعوب وذكرياتها الغامضة بذكر طوفان أصاب أرضها في تاريخ قديم مجهول ، بسبب معصية ذلك الجيل الذي شهد ذلك الحادث الكبير . . وأساطير بني إسرائيل المدونة فيما يسمونه « العهد القديم » تحوي كذلك ذكرى طوفان نوح . . ولكن هذا كله شيء لا ينبغي أن يذكر في معرض الحديث القرآني عن الطوفان ؛ ولا ينبغي أن يخلط الخبر الصادق الوثيق بمثل هذه الروايات الغامضة وهذه الأساطير المجهولة المصدر والأسانيد . وإن كان لوجود هذه الأخبار الغامضة عن الطوفان عند شعوب شتى دلالته في أن الطوفان قد كان في أرض هذه الأقوام ؛ أو على الأقل قد رحلت ذكرياته مع ذراري الناجين حين تفرقوا في الأرض بعد ذلك وعمروا الأرض من جديد . . وينبغي أن نذكر أن ما يسمى « بالكتاب المقدس » - سواء في ذلك « العهد القديم » المحتوي على كتب اليهود أو « العهد الجديد » المحتوي على أناجيل النصارى - ليس هو الذي نزل من عند اللّه . فالتوراة التي أنزلها اللّه على موسى قد حرقت نسخها الأصلية على يد البابليين عند سبي اليهود . ولم تعد كتابتها إلا بعد قرون عديدة - قبيل ميلاد المسيح بنحو خمسة قرون - وقد كتبها عزرا - وقد يكون هو عزير - وجمع فيها بقايا من التوراة . أما سائرها فهو مجرد تأليف ! وكذلك الأناجيل فهي جميعا لا تحوي إلا ما حفظته ذاكرة تلامذة المسيح وتلامذتهم بعد نحو قرن من وفاة المسيح - عليه السلام - ثم خلطت به حكايات كثيرة وأساطير ! . . ومن ثم لا يجوز أن يطلب عند تلك الكتب جميعها يقين في أمر من الأمور ! ونخلص من هذه القضية العرضية إلى عبرة هذا الحادث الكوني العظيم . . وهي - في الحقيقة - عبر شتى ، لا عبرة واحدة . وسنحاول أن نلم بشيء منها في الصفحات التالية ، قبل أن ننتقل من قصة نوح إلى قصة هود :