سيد قطب
2294
في ظلال القرآن
وفي موضع آخر في سورة الأنبياء : « حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ . وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ . . . » . وهذا النص كذلك لا يحدد زمانا معينا لخروج يأجوج ومأجوج فاقتراب الوعد الحق بمعنى اقتراب الساعة قد وقع منذ زمن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - فجاء في القرآن : « اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ » والزمان في الحساب الإلهي غيره في حساب البشر . فقد تمر بين اقتراب الساعة ووقوعها ملايين السنين أو القرون ، يراها البشر طويلة مديدة ، وهي عند اللّه ومضة قصيرة . وإذن فمن الجائز أن يكون السد قد فتح في الفترة ما بين : « اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ » ويومنا هذا . وتكون غارات المغول والتتار التي اجتاحت الشرق هي انسياح يأجوج ومأجوج . وهناك حديث صحيح رواه الإمام أحمد عن سفيان الثوري عن عروة ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان ، عن أمها حبيبة ، عن زينب بنت جحش - زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم - قالت : استيقظ الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - من نومه وهو محمر الوجه وهو يقول : « ويل للعرب من شر قد اقترب . فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا » وحلق ( بإصبعيه السبابة والإبهام ) . قلت : يا رسول اللّه أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : « نعم إذا كثر الخبيث » . وقد كانت هذه الرؤيا منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا ونصف قرن . وقد وقعت غارات التتار بعدها ، ودمرت ملك العرب بتدمير الخلافة العباسية على يد هولاكو في خلافة المستعصم آخر ملوك العباسيين . وقد يكون هذا تعبير رؤيا الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وعلم ذلك عند اللّه . وكل ما نقوله ترجيح لا يقين . ثم نعود إلى سياق السورة . فنجده يعقب على ذكر ذي القرنين للوعد الحق بمشهد من مشاهد القيامة . « وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً ؛ وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً ، الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي ، وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً » . وهو مشهد يرسم حركة الجموع البشرية من كل لون وجنس وأرض . ومن كل جيل وزمان وعصر ، مبعوثين منشرين . يختلطون ويضطربون في غير نظام وفي غير انتباه ، تتدافع جموعهم تدافع الموج وتختلط اختلاط الموج . . ثم إذا نفخة التجمع والنظام : « وَنُفِخَ فِي الصُّورِ « 1 » فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً » فإذا هم في الصف في نظام ! ثم إذا الكافرون الذين أعرضوا عن ذكر اللّه حتى لكأن على عيونهم غطاء ، ولكأن في أسماعهم صمما . . إذا بهؤلاء تعرض عليهم جهنم فلا يعرضون عنها كما كانوا يعرضون عن ذكر اللّه . فما يستطيعون اليوم إعراضا . لقد نزع الغطاء عن عيونهم نزعا فرأوا عاقبة الإعراض والعمى جزاء وفاقا ! والتعبير ينسق بين الإعراض والعرض متقابلين في المشهد ، متقابلين في الحركة على طريقة التناسق الفني في القرآن . ويعقب على هذا التقابل بالتهكم اللاذع والسخرية المريرة : « أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ . إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا » . .
--> ( 1 ) البوق . »