سيد قطب
2295
في ظلال القرآن
أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا مخلوقات اللّه المستعبدة له أنصارا لهم من دونه ، ينصرونهم منه ويدفعون عنهم سلطانه ؟ إذن فليلقوا عاقبة هذا الحسبان : « إِنَّا أَعْتَدْنا « 1 » جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا » . . ويا له من نزل مهيأ للاستقبال ، لا يحتاج إلى جهد ولا انتظار . فهو حاضر ينتظر النزلاء الكفار ! ثم تختم السورة بالإيقاعات الأخيرة ، تلخص خطوطها الكثيرة ، وتجمع إيقاعاتها المتفرقة : فأما الإيقاع الأول فهو الإيقاع حول القيم والموازين كما هي في عرف الضالين ، وكما هي على وجه اليقين . . قيم الأعمال وقيم الأشخاص . . « قُلْ : هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ؟ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً » . « قُلْ : هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا » الذين لا يوجد من هم أشد منهم خسرانا ؟ « الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » فلم يؤد بهم إلى الهدى ، ولم ينته بهم إلى ثمرة أو غاية : « وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً » لأنهم من الغفلة بحيث لا يشعرون بضلال سعيهم وذهابه سدى ، فهم ماضون في هذا السعي الخائب الضال ، ينفقون حياتهم فيه هدرا . . قل هل ننبئكم من هم هؤلاء ؟ وعندما يبلغ من استتارة التطلع والانتظار إلى هذا الحد يكشف عنهم فإذا هم : « أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ » . . وأصل الحبوط هو انتفاخ بطن الدابة حين تتغذى بنوع سام من الكلأ ثم تلقى حتفها . . وهو أنسب شيء لوصف الأعمال . . إنها تنتفخ وأصحابها يظنونها صالحة ناجحة رابحة . . ثم تنتهي إلى البوار ! « أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ » . . « فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً » . . فهم مهملون ، لا قيمة لهم ولا وزن في ميزان القيم الصحيحة « يَوْمَ الْقِيامَةِ » ولهم بعد ذلك جزاؤهم : « ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً » . ويتم التعاون في المشهد بعرض كفة المؤمنين في الميزان وقيمتهم : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا . خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا » . . وهذا النزل في جنات الفردوس في مقابل ذلك النزل في نار جهنم . وشتان شتان ! ثم هذه اللفتة الدقيقة العميقة إلى طبيعة النفس البشرية وإحساسها بالمتاع في قوله : « لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا » . . وهي تحتاج منا إلى وقفة بإزاء ما فيها من عمق ودقة . . إنهم خالدون في جنات الفردوس . . ولكن النفس البشرية حوّل قلب . تمل الاطراد ، وتسأم البقاء على حال واحدة أو مكان واحد ؛ وإذا اطمأنت على النعيم من التغير والنفاد فقدت حرصها عليه . وإذا مضى على وتيرة واحدة فقد تسأمه . بل قد تنتهي إلى الضيق به ؛ والرغبة في الفرار منه !
--> ( 1 ) أحضرنا وأعددنا . »