سيد قطب
2176
في ظلال القرآن
يجعلون للّه ما يكرهون تروح ألسنتهم تتشدق بأن لهم الحسنى ، وأنهم سينالون على ما فعلوا خيرا ! وهذه الأوهام التي ورثوها من المشركين قبلهم هي التي جاءهم الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ليبين لهم الحقيقة فيها هدى ورحمة للمؤمنين . ثم يأخذ في عرض نماذج من صنع الألوهية الحقة في تأملها عظة وعبرة فاللّه وحده هو القادر عليها الموجد لها ، وهي هي دلائل الألوهية لا سواها : فاللّه أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها . واللّه يسقي الناس - غير الماء - لبنا سائغا يخرج من بطون الأنعام من بين فرث ودم . واللّه يطلع للناس ثمرات النخيل والأعناب يتخذون منها سكرا ورزقا حسنا . واللّه أوحى إلى النحل لتتخذ من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ، ثم تخرج عسلا فيه شفاء للناس . . ثم اللّه يخلق الناس ويتوفاهم ويؤجل بعضهم حتى يشيخ فينسى ما تعلمه ويرتد ساذجا لا يعلم شيئا . واللّه فضل بعضهم على بعض في الرزق . واللّه جعل لهم من أنفسهم أزواجا وجعل لهم من أزواجهم بنين وحفدة . . . وهم بعد هذا كله يعبدون من دون اللّه ما لا يملك لهم رزقا في السماوات والأرض ولا يقدرون على شيء . ويجعلون للّه الأشباه والأمثال ! . هذه اللمسات كلها في أنفسهم وفيما حولهم ، يوجههم إليها لعلهم يستشعرون القدرة وهي تعمل في ذواتهم وفي أرزاقهم وفي طعامهم وفي شرابهم ، وفي كل شيء حولهم . . ثم يختمها بالمثلين الواضحين الموضحين اللذين أشرنا إليهما آنفا . فهي حملة على الوجدان البشري والعقل البشري ، ذات إيقاعات عميقة ، تضرب على أوتار حساسة في النفس البشرية يصعب ألا تهتز لها وتتأثر وتستجيب . « وَقالَ اللَّهُ : لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ ، إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ . وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً . أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ . وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ؛ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ . ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ، لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ، فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ » . . لقد أمر اللّه ألا يتخذ الناس إلهين اثنين . إنما هو إله واحد لا ثاني له . ويأخذ التعبير أسلوب التقرير والتكرير فيتبع كلمة إلهين بكلمة اثنين ، ويتبع النهي بالقصر إنما هو إله واحد . ويعقب على النهي والقصر بقصر آخر « فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ » دون سواي بلا شبيه أو نظير . ويذكر الرهبة زيادة في التحذير . . ذلك أنها القضية الأساسية في العقيدة كلها ، لا تقوم إلا بها ، ولا توجد إلا بوجودها في النفس واضحة كاملة دقيقة لا لبس فيها ولا غموض . إنما هو إله واحد . . وإنما هو كذلك مالك واحد : « وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » . . ودائن واحد « وَلَهُ الدِّينُ واصِباً » ( أي واصلا منذ ما وجد الدين ، فلا دين إلا دينه ) ومنعم واحد : « وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ » . وفطرتكم تلجأ إليه وحده ساعة العسرة والضيق ، وتنتفي عنها أوهام الشرك والوثنية فلا تتوجه إلا إليه دون شريك : « ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ » وتصرخون لينجيكم مما أنتم فيه . وهكذا يتفرد سبحانه وتعالى بالألوهية والملك والدين والنعمة والتوجه ؛ وتشهد فطرة البشر بهذا كله حين يصهرها الضر وينفض عنها أوشاب الشرك . . ومع هذا فإن فريقا من البشر يشركون باللّه بعد توحيده حالما ينجيهم من الضر المحيق ! فينتهوا إلى الكفر بنعمة اللّه عليهم ، وبالهدى الذي آتاهم . . فلينظروا إذن ما يصيبهم بعد المتاع القصير : « فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ » . . . .