سيد قطب
2177
في ظلال القرآن
هذا النموذج الذي يرسمه التعبير هنا « ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ، ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ » . . نموذج متكرر في البشرية . ففي الضيق تتوجه القلوب إلى اللّه ، لأنها تشعر بالفطرة ألا عاصم لها سواه . وفي الفرج تتلهى بالنعمة والمتاع ، فتضعف ضلتها باللّه ، وتزيغ عنه ألوانا من الزيغ تبدو في الشرك به وتبدو كذلك في صور شتى من تأليه قيم وأوضاع ولو لم تدع باسم الإله ! . ولقد يشتد انحراف الفطرة وفسادها ، فإذا بعضهم في ساعة العسرة لا يلجأ إلى اللّه ؛ ولكن يلجأ إلى بعض مخاليقه يدعوها للنصرة والإنقاذ والنجاة ، بحجة أنها ذات جاه أو منزلة عند اللّه ، أو بغير هذه الحجة في بعض الأحيان ، كالذين يدعون الأولياء لإنقاذهم من مرض أو شدة أو كرب . . فهؤلاء أشد انحرافا من مشركي الجاهلية الذين يرسم لهم القرآن ذلك النموذج الذي رأيناه ! . « وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ » . فإذا هم يحرمون على أنفسهم بعض الأنعام . لا يركبونها أو لا يذوقون لحومها . أو يبيحونها للذكور دون الإناث - كما أسلفنا في سورة الأنعام - باسم الآلهة المدعاة ؛ التي لا يعلمون عنها شيئا ، إنما هي أوهام موروثة من الجاهلية الأولى . واللّه هو الذي رزقهم هذه النعمة التي يجعلون لما لا يعلمون نصيبا منها ، فليست هي من رزق الآلهة المدعاة لهم ليردوها عليها ، إنما هي من رزق اللّه ، الذي يدعوهم إلى توحيده فيشركون به سواه ! . وهكذا تبدو المفارقة في تصورهم وفي تصرفهم على السواء . . الرزق كله من اللّه . واللّه يأمر ألا يعبد سواه فهم يخالفون عن أمره فيتخذون الآلهة . وهم يأخذون من رزقه فيجعلونه لما نهاهم عنه ! وبهذا تتبدى المفارقة واضحة جاهرة عجيبة مستنكرة ! . وما يزال أناس بعد أن جاءت عقيدة التوحيد وتقررت ، يجعلون نصيبا من رزق اللّه لهم موقوفا على ما يشبه آلهة الجاهلية . ما يزال بعضهم يطلق عجلا يسميه « عجل السيد البدوي » يأكل من حيث يشاء لا يمنعه أحد ، ولا ينتفع به أحد ، حتى يذبح على اسم السيد البدوي لا على اسم اللّه ! وما يزال بعضهم ينذرون للأولياء ذبائح يخرجونها من ذمتهم لا للّه ، ولا باسم اللّه ، ولكن باسم ذلك الولي ، على ما كان أهل الجاهلية يجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقهم اللّه . وهو حرام نذره على هذا الوجه . حرام لحمه . ولو سمي اسم اللّه عليه . لأنه أهلّ لغير اللّه به ! . « تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ » بالقسم والتوكيد الشديد . فهو افتراء يحطم العقيدة من أساسها لأنه يحطم فكرة التوحيد . « وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ - سُبْحانَهُ - وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ . وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ . يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ ، أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ ؟ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ! » . . إن الانحراف في العقيدة لا تقف آثاره عند حدود العقيدة ، بل يتمشى في أوضاع الحياة الاجتماعية وتقاليدها . فالعقيدة هي المحرك الأول للحياة ، سواء ظهرت أو كمنت . وهؤلاء عرب الجاهلية كانوا يزعمون أن للّه بنات - هن الملائكة - على حين أنهم كانوا يكرهون لأنفسهم ولادة البنات ! فالبنات للّه أما هم فيجعلون لأنفسهم ما يشتهون من الذكور ! .