سيد قطب

2153

في ظلال القرآن

طريقها لا تتخلف . والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض ، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم . . إنها لفتة ضخيمة تختم بها السورة . لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود . . « وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ . فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ » . . إن هذا التعقيب بتقرير الحق الذي تقوم به السماوات والأرض ، والذي به كان خلقهما وما بينهما ، لتعقيب عظيم الدلالة ، عميق المعنى ، عجيب التعبير . فما ذا يشير إليه هذا القول : « وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ » ؟ إنه يوحي بأن الحق عميق في تصميم هذا الوجود : عميق في تكوينه . عميق في تدبيره . عميق في مصير هذا الوجود وما فيه ومن فيه . . عميق في تصميم هذا الوجود . فهو لم يخلق عبثا ، ولم يكن جزافا ، ولم يتلبس بتصميمه الأصيل خداع ولا زيف ولا باطل . والباطل طارئ عليه ليس عنصرا من عناصر تصميمه . عميق في تكوينه . فقوامه من العناصر التي يتألف منها حق لا وهم ولا خداع . والنواميس التي تحكم هذه العناصر وتؤلف بينها حق لا يتزعزع ولا يضطرب ولا يتبدل . ولا يتلبس به هوى أو خلل أو اختلاف . عميق في تدبيره . فبالحق يدبر ويصرف ، وفق تلك النواميس الصحيحة العادلة التي لا تتبع هوى ولا نزوة ، إنما تتبع الحق والعدل . عميق في مصيره . فكل نتيجة تتم وفق تلك النواميس الثابتة العادلة ؛ وكل تغيير يقع في السماوات والأرض وما بينهما يتم بالحق وللحق . وكل جزاء يترتب يتبع الحق الذي لا يحابي . ومن هنا يتصل الحق الذي خلق اللّه به السماوات والأرض وما بينهما ، بالساعة الآتية لا ريب فيها . فهي آتية لا تتخلف . وهي جزء من الحق الذي قام به الوجود . فهي في ذاتها حقيقة ، وقد جاءت لتحق الحق . « فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ » . . ولا تشغل قلبك بالحنق والحقد ، فالحق لا بد أن يحق : « إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ » . . الذي خلق ويعلم ما خلق ومن خلق . والخلق كله من إبداعه فلا بد أن يكون الحق أصيلا فيه ، ولا بد أن ينتهي كل شيء فيه إلى الحق الذي بدأ منه وقام عليه . فهو فيه أصيل وما عداه باطل وزيف طارئ يذهب ، فلا يبقى إلا ذلك الحق الكبير الشامل المستقر في ضمير الوجود . يتصل بهذا الحق الكبير تلك الرسالة التي جاء بها الرسول . وذلك القرآن الذي أوتيه : « وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ » . والمثاني الأرجح أن المقصود بها آيات سورة الفاتحة السبع - كما ورد في الأثر - فهي تثنى وتكرر في الصلاة ، أو يثنى فيها على اللّه « 1 » .

--> ( 1 ) بعض التفاسير المأثورة تقول : إن المقصود بها السبع الطوال : البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة بوصفهما سورة واحدة . ولما كانت هذه السور مدنية فإنها تذكر أن هذه الآية مدنية . والذي يلهمه سياق السورة أن الآية مكية وأنها تشير إلى الفاتحة وآياتها السبع المثاني .