سيد قطب

2154

في ظلال القرآن

والقرآن العظيم سائر القرآن . والمهم أن وصل هذا النص بآيات خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق والساعة الآتية لا ريب فيها ، يشي بالاتصال بين هذا القرآن والحق الأصيل الذي يقوم به الوجود وتقوم عليه الساعة . فهذا القرآن من عناصر ذلك الحق ، وهو يكشف سنن الخالق ويوجه القلوب إليها ، ويكشف آياته في الأنفس والآفاق ويستجيش القلوب لإدراكها ، ويكشف أسباب الهدى والضلال ، ومصير الحق والباطل ، والخير والشر والصلاح والطلاح . فهو من مادة ذلك الحق ومن وسائل كشفه وتبيانه . وهو أصيل أصالة ذلك الحق الذي خلقت به السماوات والأرض . ثابت ثبوت نواميس الوجود ، مرتبط بتلك النواميس . وليس أمرا عارضا ولا ذاهبا . إنما يبقى مؤثرا في توجيه الحياة وتصريفها وتحويلها ، مهما يكذب المكذبون ، ويستهزئ المستهزءون ، ويحاول المبطلون ، الذين يعتمدون على الباطل ، وهو عنصر طارئ زائل في هذا الوجود . ومن ثم فإن من أوتي هذه المثاني وهذا القرآن العظيم ، المستمد من الحق الأكبر ، المتصل بالحق الأكبر . . لا يمتد بصره ولا تتحرك نفسه لشيء زائل في هذه الأرض من أعراضها الزوائل . ولا يحفل مصير أهل الضلال ، ولا يهمه شأنهم في كثير ولا قليل . إنما يمضي في طريقه مع الحق الأصيل : « لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ، وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ، وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ . وَقُلْ : إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ » . . « لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ » . . والعين لا تمتد . إنما يمتد البصر أي يتوجه . ولكن التعبير التصويري يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع . وهي صورة طريفة حين يتصورها المتخيل . والمعنى وراء ذلك ألا يحفل الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ذلك المتاع الذي آتاه اللّه لبعض الناس رجالا ونساء - امتحانا وابتلاء - ولا يلقي إليه نظرة اهتمام ، أو نظرة استجمال . أو نظرة تمن . فهو شيء زائل وشيء باطل ؛ ومعه هو الحق الباقي من المثاني والقرآن العظيم . وهذه اللفتة كافية للموازنة بين الحق الكبير والعطاء العظيم الذي مع الرسول ، والمتاع الصغير الذي يتألق بالبريق وهو ضئيل . يليها توجيه الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إلى إهمال القوم المتمتعين ، والعناية بالمؤمنين ، فهؤلاء هم أتباع الحق الذي جاء به ، والذي تقوم عليه السماوات والأرض وما بينهما ؛ وأولئك هم أتباع الباطل الزائل الطارئ على صميم الوجود . . « وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ » . . ولا تهتم لمصيرهم السيئ الذي تعلم أن عدل اللّه يقتضيه ، وأن الحق في الساعة يقتضيه . ودعهم لمصيرهم الحق . « وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ » . . والتعبير عن اللين والمودة والعطف بخفض الجناح تعبير تصويري ، يمثل لطف الرعاية وحسن المعاملة ورقة الجانب في صورة محسوسة على طريقة القرآن الفنية في التعبير . « وَقُلْ : إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ » . . فذلك هو طريق الدعوة الأصيل . . ويفرد الإنذار هنا دون التبشير لأنه الأليق بقوم يكذبون ويستهزءون ،