سيد قطب
2026
في ظلال القرآن
ويرد عليهم الرجل بأن يتركوه لربه ، فهو لا يشكو لأحد من خلقه ، وهو على صلة بربه غير صلتهم ، ويعلم من حقيقته ما لا يعلمون : « قال : إنما أشكو بثي « 1 » وحزني إلى اللّه ، وأعلم من اللّه ما لا تعلمون » . وفي هذه الكلمات يتجلى الشعور بحقيقة الألوهية في هذا القلب الموصول ؛ كما تتجلى هذه الحقيقة ذاتها بجلالها الغامر ، ولألائها الباهر . إن هذا الواقع الظاهر الميئس من يوسف ، وهذا المدى الطويل الذي يقطع الرجاء من حياته فضلا على عودته إلى أبيه ، واستنكار بنيه لهذا التطلع بعد هذا الأمد الطويل في وجه هذا الواقع الثقيل . . إن هذا كله لا يؤثر شيئا في شعور الرجل الصالح بربه . فهو يعلم من حقيقة ربه ومن شأنه ما لا يعلم هؤلاء المحجوبون عن تلك الحقيقة بذلك الواقع الصغير المنظور ! وهذه قيمة الإيمان باللّه ، ومعرفته سبحانه هذا اللون من المعرفة . معرفة التجلي والشهود وملابسة قدرته وقدره ، وملامسة رحمته ورعايته ، وإدراك شأن الألوهية مع العبيد الصالحين . إن هذه الكلمات : « وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ » تجلو هذه الحقيقة بما لا تملك كلماتنا نحن أن تجلوها . وتعرض مذاقا يعرفه من ذاق مثله ، فيدرك ما ذا تعني هذه الكلمات في نفس العبد الصالح يعقوب . . والقلب الذي ذاق هذا المذاق لا تبلغ الشدائد منه - مهما بلغت - إلا أن يتعمق اللمس والمشاهدة والمذاق ! ولا نملك أن نزيد . ولكننا نحمد اللّه على فضله في هذا ، وندع ما بيننا وبينه له يعلمه سبحانه ويراه . . ثم يوجههم يعقوب إلى تلمس يوسف وأخيه ؛ وألا ييأسوا من رحمة اللّه ، في العثور عليهما ، فإن رحمة اللّه واسعة وفرجه دائما منظور : « يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ، ولا تيأسوا من روح اللّه . إنه لا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون » . . فيا للقلب الموصول ! ! ! « يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه » . . تحسسوا بحواسكم ، في لطف وبصر وصبر على البحث . ودون يأس من اللّه وفرجه ورحمته . وكلمة « روح » أدق دلالة وأكثر شفافية . ففيها ظل الاسترواح من الكرب الخانق بما ينسم على الأرواح من روح اللّه الندي : « إنه لا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون » . . فأما المؤمنون الموصولة قلوبهم باللّه ، الندية أرواحهم بروحه ، الشاعرون بنفحاته المحيية الرخية ، فإنهم لا ييأسون من روح اللّه ولو أحاط بهم الكرب ، واشتد بهم الضيق . وإن المؤمن لفي روح من ظلال إيمانه ، وفي أنس من صلته بربه ، وفي طمأنينة من ثقته بمولاه ، وهو في مضايق الشدة ومخانق الكروب . . . ويدخل إخوة يوسف مصر للمرة الثالثة ، وقد أضرت بهم المجاعة ، ونفدت منهم النقود ، وجاءوا
--> ( 1 ) همي ومصيبتي .