سيد قطب
2027
في ظلال القرآن
ببضاعة رديئة هي الباقية لديهم يشترون بها الزاد . . يدخلون وفي حديثهم انكسار لم يعهد في أحاديثهم من قبل ، وشكوى من المجاعة تدل على ما فعلت بهم الأيام : « فلما دخلوا عليه قالوا : يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ، وجئنا ببضاعة مزجاة ، فأوف لنا الكيل وتصدّق علينا ، إن اللّه يجزي المتصدقين » . . وعندما يبلغ الأمر بهم إلى هذا الحد من الاسترحام والضيق والانكسار لا تبقى في نفس يوسف قدرة على المضي في تمثيل دور العزيز ، والتخفي عنهم بحقيقة شخصيته . فقد انتهت الدروس ، وحان وقت المفاجأة الكبرى التي لا تخطر لهم على بال ؛ فإذا هو يترفق في الإفضاء بالحقيقة إليهم ، فيعود بهم إلى الماضي البعيد الذي يعرفونه وحدهم ، ولم يطلع عليه أحد إلا اللّه : « قال : هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ؟ » ! ! ورن في آذانهم صوت لعلهم يذكرون شيئا من نبراته . ولاحت لهم ملامح وجه لعلهم لم يلتفتوا إليها وهم يرونه في سمت عزيز مصر وأبهته وشياته . والتمع في نفوسهم خاطر من بعيد : « قالوا : أإنك لأنت يوسف ؟ » . . أإنك لأنت ؟ ! فالآن تدرك قلوبهم وجوارحهم وآذانهم ظلال يوسف الصغير في ذلك الرجل الكبير . . « قال : أنا يوسف . وهذا أخي . قد من اللّه علينا . إنه من يتق ويصبر فإن اللّه لا يضيع أجر المحسنين » . . مفاجأة ! مفاجأة عجيبة . يعلنها لهم يوسف ويذكرهم في إجمال بما فعلوه بيوسف وأخيه في دفعة الجهالة . . ولا يزيد . . سوى أن يذكر منة اللّه عليه وعلى أخيه ، معللا هذه المنة بالتقوى والصبر وعدل اللّه في الجزاء . أما هم فتتمثل لعيونهم وقلوبهم صورة ما فعلوا بيوسف ، ويجللهم الخزي والخجل وهم يواجهونه محسنا إليهم وقد أساءوا . حليما بهم وقد جهلوا . كريما معهم وقد وقفوا منه موقفا غير كريم : « قالوا : تاللّه لقد آثرك اللّه علينا ، وإن كنا لخاطئين » . . اعتراف بالخطيئة ، وإقرار بالذنب ، وتقرير لما يرونه من إيثار اللّه له عليهم بالمكانة والحلم والتقوى والإحسان . يقابله يوسف بالصفح والعفو وإنهاء الموقف المخجل . شيمة الرجل الكريم . وينجح يوسف في الابتلاء بالنعمة كما نجح من قبل في الابتلاء بالشدة . إنه كان من المحسنين . « قال : لا تثريب عليكم اليوم . يغفر اللّه لكم ، وهو أرحم الراحمين » . . لا مؤاخذة لكم ولا تأنيب اليوم . فقد انتهى الأمر من نفسي ولم تعد له جذور . واللّه يتولاكم بالمغفرة وهو أرحم الراحمين . . ثم يحول الحديث إلى شأن آخر . شأن أبيه الذي ابيضت عيناه من الحزن . فهو معجل إلى تبشيره . معجل إلى لقائه . معجل إلى كشف ما علق بقلبه من حزن ، وما ألم بجسمه من ضني ، وما أصاب بصره من كلال : « اذهبوا بقميصي هذا ، فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا ، وأتوني بأهلكم أجمعين » . . كيف عرف يوسف أن رائحته سترد على أبيه بصره الكليل ؟ ذلك مما علمه اللّه . والمفاجأة تصنع في كثير من الحالات فعل الخارقة . . وما لها لا تكون خارقة ويوسف نبي رسول ويعقوب نبي رسول ؟ * * *