سيد قطب
2020
في ظلال القرآن
كل هذا الحوار كان على منظر ومسمع من يوسف . فأمر بالتفتيش . وأرشدته حصافته إلى أن يبدأ برحالهم قبل رحل أخيه ، كيلا يثير شبهة في نتيجة التفتيش : « فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه . ثم استخرجها من وعاء أخيه » ! ويدعنا السياق نتصور الدهشة بالمفاجأة العنيفة لأبناء يعقوب الموقنين ببراءتهم ، الحالفين ، المتحدين . . فلا يذكر شيئا عن هذا ، بل يتركه يتملاه الخيال على الصورة التي تكمل رسم المشهد بانفعالاته . . بينما يأخذ في التعقيب ببعض مرامي القصة ، ريثما يفيق النظارة وأبناء يعقوب مما هم فيه : « كذلك كدنا ليوسف » . . أي كذلك دبرنا له هذا التدبير الدقيق . « ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك » . . فلو حكّم شريعة الملك ما تمكن من أخذ أخيه ، إنما كان يعاقب السارق على سرقته ، دون أن يستولي على أخيه كما استولى عليه بتحكيم إخوته لدينهم هم . وهذا هو تدبير اللّه الذي ألهم يوسف أسبابه . وهو كيد اللّه له . والكيد يطلق على التدبير في الخفاء للخير أو للشر سواء . وإن كان الشر قد غلب عليه . وظاهر الأمر هنا أنه شر يحل بأخيه وهو شر يحل بإخوته لإحراجهم أمام أبيه . وهو سوء - ولو مؤقتا - لأبيه . فلهذا اختار تسميته كيدا على إجمال اللفظ وبالإلماع إلى ظاهره . وهو من دقائق التعبير . « ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك » . . « إلا أن يشاء اللّه » . . فيدبر مثل هذا التدبير الذي رأيناه . ويتضمن التعقيب الإشارة إلى ما ناله يوسف من رفعة : « نرفع درجات من نشاء » . . وإلى ما ناله من علم ، مع التنبيه إلى أن علم اللّه هو الأعلى : « وفوق كل ذي علم عليم » . . وهو احتراس لطيف دقيق . ولا بد أن نقف أمام التعبير القرآني الدقيق العميق : « كذلك كدنا ليوسف . . ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك . . . » . . إن هذا النص يحدد مدلول كلمة « الدين » - في هذا الموضع - تحديدا دقيقا . . إنه يعني : نظام الملك وشرعه . . فإن نظام الملك وشرعه ما كان يجعل عقوبة السارق هو أخذه في جزاء سرقته . إنما هذا كان نظام يعقوب وشريعة دينه . وقد ارتضى إخوة يوسف تحكيم نظامهم هم وشريعتهم ؛ فطبقها يوسف عليهم عندما وجد صواع الملك في رحل أخيه . . وعبر القرآن الكريم عن النظام والشريعة بأنها « الدين » . . هذا المدلول القرآني الواضح هو الذي يغيب في جاهلية القرن العشرين عن الناس جميعا . سواء منهم من يدعون أنفسهم مسلمين وغيرهم من الجاهليين ! إنهم يقصرون مدلول « الدين » على الاعتقاد والشعائر . . ويعدون كل من يعتقد في وحدانية اللّه وصدق رسوله ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ؛ ويؤدي الشعائر المكتوبة . . . داخلا في « دين اللّه » مهما تكن دينونته بالطاعة والخضوع وإقراره بالحاكمية لغير اللّه من الأرباب المتفرقة في