سيد قطب
2021
في ظلال القرآن
الأرض . . بينما النص القرآني هنا يحدد مدلول « دين الملك » بأنه نظام الملك وشريعته . وكذلك « دين اللّه » فهو نظامه وشريعته . . إن مدلول « دين اللّه » قد هزل وانكمش حتى صار لا يعني في تصور الجماهير الجاهلية إلا الاعتقاد والشعائر . . ولكنه لم يكن كذلك يوم جاء هذا الدين منذ آدم ونوح إلى محمد عليهم صلوات اللّه وسلامه أجمعين . لقد كان يعني دائما : الدينونة للّه وحده ؛ بالتزام ما شرعه ، ورفض ما يشرعه غيره . وإفراده - سبحانه - بالألوهية في الأرض مثل إفراده بالألوهية في السماء ؛ وتقرير ربوبيته وحده للناس : أي حاكميته وشرعه وسلطانه وأمره . وكان مفرق الطريق دائما بين من هم في دين « اللّه » ومن هم في « دين الملك » أن الأولين يدينون لنظام اللّه وشرعه وحده ، وأن الآخرين يدينون لنظام الملك وشرعه . أو يشركون فيدينون للّه في الاعتقاد والشعائر ، ويدينون لغير اللّه في النظام والشرائع ! وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة ، ومن بديهيات العقيدة الإسلامية تماما . وبعض المترفقين بالناس اليوم يتلمسون لهم عذرا في أنهم يجهلون مدلول كلمة « دين اللّه » وهم من ثم لا يصرون ولا يحاولون تحكيم شريعة اللّه وحدها بوصفها هي « الدين » . وأن جهلهم هذا بمدلول الدين يعفيهم من أن يكونوا جاهليين مشركين ! وأنا لا أتصور كيف أن جهل الناس ابتداء بحقيقة هذا الدين يجعلهم في دائرة هذا الدين ! إن الاعتقاد بحقيقة فرع عن معرفتها . فإذا جهل الناس حقيقة عقيدة فكيف يكونون معتنقين لها ؟ وكيف يحسبون من أهلها وهم لا يعرفون ابتداء مدلولها ؟ إن هذا الجهل قد يعفيهم من حساب الآخرة ، أو يخفف عنهم العذاب فيها ؛ ويلقي بتبعاتهم وأوزارهم على كاهل من لا يعلمونهم حقيقة هذا الدين وهم يعرفونها . . ولكن هذه مسألة غيبية متروك أمرها للّه ، والجدل في الجزاء الأخروي لأهل الجاهلية عامة ليس وراءه كبير طائل . وليس هو الذي يعنينا نحن البشر الذين ندعو إلى الإسلام في الأرض ! إن الذي يعنينا هو تقرير حقيقة الدين الذي فيه الناس اليوم . . إنه ليس دين اللّه قطعا . فدين اللّه هو نظامه وشرعه وفق النصوص القرآنية الصريحة . فمن كان في نظام اللّه وشرعه فهو في « دين للّه » . ومن كان في نظام الملك وشرعه فهو في « دين الملك » . ولا جدال في هذا . والذين يجهلون مدلول الدين لا يمكن أن يكونوا معتقدين بهذا الدين . لأن الجهل هنا وارد على أصل حقيقة الدين الأساسية . والجاهل بحقيقة هذا الدين الأساسية لا يمكن عقلا وواقعا أن يكون معتقدا به . إذ الاعتقاد فرع عن الإدراك والمعرفة . . وهذه بديهية . . وخير لنا من أن ندافع عن الناس - وهم في غير دين اللّه - ونتلمس لهم المعاذير ، ونحاول أن نكون أرحم بهم من اللّه الذي يقرر مدلول دينه وحدوده ! . . خير لنا من هذا كله أن نشرع في تعريف الناس حقيقة مدلول « دين اللّه » ليدخلوا فيه . . أو يرفضوه . . هذا خير لنا وللناس أيضا . . خير لنا لأنه يعفينا من تبعة ضلال هؤلاء الجاهلين بهذا الدين ، الذين ينشأ عن جهلهم به عدم اعتناقه في الحقيقة . . وخير للناس لأن مواجهتهم بحقيقة ما هم عليه - وأنهم في دين الملك