سيد قطب

1978

في ظلال القرآن

الحلقة الثانية من حلقات القصة ، وقد وصل يوسف إلى مصر ، وبيع بيع الرقيق ؛ ولكن الذي اشتراه توسم فيه الخير - والخير يتوسم في الوجوه الصباح ، وبخاصة حين تصاحبها السجايا الملاح - فإذا هو يوصي به امرأته خيرا ، وهنا يبدأ أول خيط في تحقيق الرؤيا . ولكن محنة أخرى من نوع آخر كانت تنتظر يوسف حين يبلغ أشده ، وقد أوتي حكما وعلما يستقبل بهما هذه المحنة الجارفة التي لا يقف لها إلا من رحم اللّه . إنها محنة التعرض للغواية في جو القصور ، وفي جو ما يسمونه « الطبقة الراقية » وما يغشاها من استهتار وفجور . . ويخرج يوسف منها سليما معافى في خلقه وفي دينه ، ولكن بعد أن يخالط المحنة ويصلاها . . « وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ : أَكْرِمِي مَثْواهُ ، عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً . وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ، وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ، وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » . . إن السياق لا يكشف لنا حتى الآن عمن اشتراه ، وسنعلم بعد شوط في القصة أنه عزيز مصر ( قيل : إنه كبير وزرائها ) ولكنا نعلم منذ اللحظة أن يوسف قد وصل إلى مكان آمن ، وأن المحنة قد انتهت بسلام ، وأنه مقبل بعد هذا على خير : « أَكْرِمِي مَثْواهُ » . . والمثوى مكان الثويّ والمبيت والإقامة ، والمقصود بإكرام مثواه إكرامه ، ولكن التعبير أعمق ، لأنه يجعل الإكرام لا لشخصه فحسب ، ولكن لمكان إقامته . . وهي مبالغة في الإكرام . في مقابل مثواه في الجب وما حوله من مخاوف وآلام ! ويكشف الرجل لامرأته عما يتوسمه في الغلام من خير ، وما يتطلع إليه فيه من أمل : « عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً » . . ولعلهما لم يكن لهما أولاد كما تذكر بعض الروايات . ومن ثم تطلع الرجل أن يتخذاه ولدا إذا صدقت فراسته ، وتحققت مخايل نجابته وطيبته مع وسامته . وهنا يقف السياق لينبه إلى أن هذا التدبير من اللّه ، وبه وبمثله قدر ليوسف التمكين في الأرض - وها قد بدأت بشائره بتمكين يوسف في قلب الرجل وبيته - ويشير إلى أنه ماض في الطريق ليعلمه اللّه من تأويل الأحاديث - على الوجهين اللذين ذكرناهما من قبل - ويعقب السياق على هذا الابتداء في تمكين يوسف بما يدل عليه من أن قدرة اللّه غالبة ، لا تقف في طريقها قوة ، وأنه مالك أمره ومسيطر عليه فلا يخيب ولا يتوقف ولا يضل : « وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ، وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ . وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ » . .