سيد قطب
1979
في ظلال القرآن
وها هو ذا يوسف أراد له إخوته أمرا ، وأراد له اللّه أمرا ، ولما كان اللّه غالبا على أمره ومسيطرا فقد نفذ أمره ، أما إخوة يوسف فلا يملكون أمرهم فأفلت من أيديهم وخرج على ما أرادوا : « وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » . . لا يعلمون أن سنة اللّه ماضية وأن أمره هو الذي يكون . ويمضي السياق ليقرر أن ما شاء اللّه ليوسف ، وقال عنه : « وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ » . . قد تحقق حين بلغ أشده : « وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً . وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ » . . فقد أوتي صحة الحكم على الأمور ، وأوتي علما بمصائر الأحاديث أو بتأويل الرؤيا ، أو بما هو أعم ، من العلم بالحياة وأحوالها ، فاللفظ عام ويشمل الكثير . وكان ذلك جزاء إحسانه . إحسانه في الاعتقاد وإحسانه في السلوك : « وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ » . . وعندئذ تجيئه المحنة الثانية في حياته ، وهي أشد وأعمق من المحنة الأولى . تجيئه وقد أوتي صحة الحكم وأوتي العلم - رحمة من اللّه - ليواجهها وينجو منها جزاء إحسانه الذي سجله اللّه له في قرآنه . والآن نشهد ذلك المشهد العاصف الخطير المثير كما يرسمه التعبير : « وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ : هَيْتَ لَكَ ! قالَ : مَعاذَ اللَّهِ . إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ . إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ - وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ . كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ . إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ - وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ ، وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ . قالَتْ : ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً ؟ إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ . قالَ : هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي . وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها . إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ؛ وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ : إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ . إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ . يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ، وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ، إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ » . . إن السياق لم يذكر كم كانت سنها وكم كانت سنه ؛ فلننظر في هذا الأمر من باب التقدير . لقد كان يوسف غلاما عندما التقطته السيارة وباعته في مصر . أي إنه كان حوالي الرابعة عشرة تنقص ولا تزيد . فهذه هي السن التي يطلق فيها لفظ الغلام ، وبعدها يسمى فتى فشابا فرجلا . . . وهي السن التي يجوز فيها أن يقول يعقوب : « وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ » . . وفي هذا الوقت كانت هي زوجة ، وكانت وزوجها لم يرزقا أولادا كما يبدو من قوله : « أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً » . . فهذا الخاطر . . خاطر التبني . . لا يرد على النفس عادة إلا حين لا يكون هناك ولد ؛ ويكون هناك يأس أو شبه يأس من الولد . فلا بد أن تكون قد مضت على زواجهما فترة ، يعلمان فيها أن لا ولد لهما . وعلى كل حال فالمتوقع عن رئيس وزراء مصر ألا تقل سنه عن أربعين سنة ، وأن تكون سن زوجه حينئذ حوالي الثلاثين . ونتوقع كذلك أن تكون سنها أربعين سنة عندما يكون يوسف في الخامسة والعشرين أو حواليها . وهي